تاريخ دار مساليت 1870 – 1930م (1)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
مقدمة
العنوان الكامل للكتاب الذي أشرع في تقديمه هو (تاريخ دار مساليت 1870 – 1930م: العقيدة المهدوية والتقاليد السودانوية)؛ ولعل في ذلك العنوان إشارة إلى المحور الرئيسي الذي يركز عليه الكتاب. تذكر المؤلفة (بروفيسور/ ليدوين كابتجنز) بأن الدراسات عن تاريخ دارفور عموماً قليلة.. ومن أهم المؤلفات الحديثة (وقت كتابة الكتاب الحالي في 1982م): "تاريخ دارفور السياسي" لمؤلفه موسى المبارك؛ وكتاب بروفسور أوفاهي "الدولة والمجتمع في دارفور". قدم الأستاذ موسى المبارك في كتابه عرضاً تفصيلياً للأحداث السياسية في دارفور في فترة المهدية؛ بينما تناول كتاب "الدولة والمجتمع في دارفور" التاريخ الإداري لسلطنة دارفور في الفترات 1750- 1874م، و1898- 1916م، بتركيز خاص على المؤسسات المركزية للدولة؛ (وجاء بعد ذلك كتاب بروفيسور أوفاهي الهام الآخر بعنوان "تاريخ سلطنة دارفور"، والذي صدر في عام 2008م )وكنت قد قدمت له عرضاً في سلسلة من المقالات(؛ كما نشطت الكتابات عن دارفور وتاريخها بشكل كبير مؤخراً، مع تجدد الصراع الحالي في الإقليم منذ بدايات هذا العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
أما الأدبيات المكتوبة عن غرب دارفور بالذات، فهي تكاد تكون منعدمة؛ وحتى وثائق الأسفار اللصيقة بذلك الجزء من دارفور قليلة جداً. لذا فإن الكتاب الحالي يمثل محاولة لتكملة الدراسات عن تاريخ دارفور من خلال إعادة بناء المجتمع العريض والدولة، وإلقاء الضوء على الهامش أكثر من المركز؛ إذ أنه يركز على منطقة صغيرة على هامش دارفور،ألا وهي دار مساليت، ويبحث في تاريخها المحلي من جانبيه السياسي والاقتصادي الاجتماعي. وتأمل الكاتبة أن يكون مؤلفها قريناً لمؤلف بروفيسور أوفاهي "الدولة والمجتمع في دارفور".
مؤلفة الكتاب هي بروفيسور (ليدوين كابتجنز)، الهولندية الجنسية والتي تعمل حالياً أستاذة تاريخ إفريقيا والشرق الأوسط بكلية ولسلي بالولايات المتحدة. وقد شرعت في كتابة هذا البحث في عام 1978م، عندما كانت محاضرة في شعبة التاريخ بجامعة الخرطوم. واعتمدت في كتابته بشكل رئيس على مصادر أولية؛ حيث تلقت التاريخ الشفاهي لدار مساليت ودار قمر من أفراد في الخرطوم، إلى جانب المقابلات العديدة التي أجرتها في دار مساليت نفسها أثناء عملها الميداني. وقد راجعت المؤلفة بكثافة، وعلى مدى أربع سنوات، وثائق أرشيف المهدية، ووثائق الحكم الثنائي المحفوظة بدار الوثائق المركزية بالخرطوم؛ كما استعانت أيضاً بالوثائق الأرشيفية البريطانية والفرنسية، ومجموعة تاريخ السودان بجامعة بيرقن بالنرويج.
يغطي الكتاب بروز وتطور واحدة من أحدث الممالك السودانوية، ألا وهي سلطنة دار مساليت خلال الفترة 1870 - 1930م. وعلى الرغم من أن الكتاب معني بشكل رئيس بتاريخ سلطنة المساليت، إلا أنه ذو نهج إقليمي، ويولي اهتماماً بالتطورات في السلطنات الأخرى في الحزام السودانوي الشرقي، وهي سلطنات وداي - دارفور - دار سلا - دار تاما - ودار قمر؛ وهي جميعها سلطنات مجاورة لدار مساليت.
تتناول الفصول الثلاثة الأولى من الكتاب نشأة السلطنة؛ حيث يشتمل الفصل الأول على وصف للأوضاع السياسية والجغرافية لدار مساليت. ويتناول الفصل الثاني إعادة بناء مجتمع المساليت أثناء الفترة السابقة لعام 1874م، والتي كانت دار مساليت فيها جزءاً من سلطنة كيرا (دارفور). يصف الفصل الثالث سقوط الـنظام التقليدي السابق لتكوين السلطنة، والتطورات التي نتجت عن الاحتلال المصري التركي لدارفور (1874-1883م)، وتوحيد قبائل المساليت بواسطة هجام حسب الله، والذي هو من زعماء المساليت والمؤسس للسلطنة. يقدم الفصل الرابع تحليلاً لنشوء سلطنة المساليت من منظور إقليمي، ويفسر تعقيدات التاريخ السياسي لغرب دارفور أثناء سنوات المهدية (1883–1898م)، ويحلل الأبعاد السياسية والأيديولوجية والاقتصادية لعلاقات السلطنة الجديدة مع جيرانها. ولقد أتاحت هذه التطورات السياسية للمساليت الفرصة لتأسيس دولتهم.
يتمثل العنصر الأيديولوجي لسلطنة المساليت في العقيدة المهدوية؛ فهي (أي الإسلام تحت مظهر مهدوي) جاءت لتمثل هوية دولة المساليت أمام العالم الخارجي - أي أن الإسلام أصبح هو أيديولوجية الدولة في علاقاتها الخارجية الرسمية. سياسياً واقتصادياً كانت سلطنة المساليت المهدوية مسيطراً عليها من قبل جارتها الغربية - سلطنة وداي. غير أن عاصمة السلطنة في هذه الفترة ظلت محطة ومركزاً طرفياً (وإن كان ثانوياً) في المنتهى الجنوبي لطريق الصحراء العابر إلى شمال إفريقيا.
تتناول المؤلفة في الفصل الخامس البناء الداخلي للسلطنة. فبينما قدمت نفسها لجيرانها كدولة مهدوية مصغرة، إلا أنها داخلياً كانت منظمة كدولة سودانوية على نمط سلطنة كيرا بدارفور، والتي ظلت سلطنة المساليت جزءاً منها حتى عام 1874م. وفي الفصل السادس تبحث المؤلفة من منظور إقليمي الأزمة السياسية التي مرت بها سلطنة المساليت في العقد الأول من القرن العشرين. ففي عام 1909م أخضعت سلطنة وداي تحت الحكم الاستعماري الفرنسي. ومن الجدير بالذكر أن المساليت بقيادة السلطان تاج الدين كانوا قد باغتوا الفرنسيين وهزموهم هزيمة ساحقة في معركة وادي كاجا بالقرب من الجنينة في يناير 1910م؛ وقد ثأرالفرنسيون لهزيمتهم في نوفمبر من نفس العام وقتلوا السلطان تاج الدين. غير أن دار مساليت لم تخضع للإدارة الفرنسية، وذلك حيث أن الفرنسيين كانوا مدركين لأن دار مساليت (ودار قمر) كانتا سابقاً جزءاً لا يتجزأ من سلطنة دارفور، ومن السودان التركي المصري، وأنهما بالتالي يقعان في نطاق حكومة السودان وفقاً للاتفاقيات بين القوى الاستعمارية آنذاك.
هكذا فقد كانت الفترة (1909 – 1922م) في دار مساليت فترة تغيير اقتصادي ثوري - كما كان الحال أيضا في بعض السلطنات المجاورة - لكنها كانت أيضاً فترة تغييرات سياسية دراماتيكية. ولقد ساعد ذلك في ترسيخ بعض السمات الهيكلية لهذه الدولة السودانوية (كمثال هنا الانشقاقات في طبقة النبلاء). ولقد نشطت العقيدة المهدوية لدى رعايا السلطنة، حيث كان المنطلق للثورة الشعبية ضد الارتباطات الفرنسية لسلطان وداي، هو التقاليد المهدوية؛ فلقد اتخذت الثورة طابعاً دينياً. ولقد كان احتلال دار مساليت من قبل قوات الحكم الثنائي (الإنجليزي المصري)، وإدماجها في الإمبراطورية البريطانية بداية لحقبة تاريخية جديدة.
تناقش المؤلفة في الفصل الأخير ثلاث موضوعات رئيسة:
أولاً : كيف وفرت سياسة (الحكم غير المباشر) البريطانية لسلطان المساليت قدراً من السلطة والثروة أكبر مما كان يتمتع به سابقاً ؟
ثانياً : كيف أسهمت سياسة الحكم البريطاني - وبشكل خاص النظام الضرائبي الجديد - في إحداث تغييرات أساسية في الاقتصاد المحلي؟
ثالثاً : كيف قادت تنمية الحكم البريطاني لوسط السودان (وادي النيل) إلى تخلف الهامش السوداني، والذي تمثل دار مساليت جزءاً منه؟
بينما سقطت التقاليد السودانوية على قارعة الطريق في مقاومة مثل هذه التغييرات السلبية، كانت الأيديولوجية المهدوية هي التي تصدت لها.
بالإضافة إلى جانب التاريخ، عني الكتاب بمحاور وموضوعات لا يزال الجدل النظري حولها دائراً بين المتخصصين في الدراسات الأفريقانية، بمختلف تخصصاتهم. من بين هذه الموضوعات على سبيل المثال: علاقات الرق – والتجارة عبر المسافات البعيدة.
(آمل - بعد هذه المقدمة – أن أتمكن في حلقات قادمة من تقديم عرض لبعض موضوعات الكتاب).
*********
تاريخ دار مساليت 1870 – 1930م (2)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
****
مواصلة عرض كتاب: (تاريخ دار مساليت 1870 – 1930م: العقيدة المهدوية والتقاليد السودانوية) لمؤلفته: بروفيسور/ ليدوين كابتجنز
****
تعقيدات التاريخ السياسي لغرب دارفور أثناء سنوات المهدية
تمثلت بداية سلطة دولة المهدية في دارفور في وصول محمد خالد زقل إلى الفاشر وتوليه مهامه كقائد عام لقوات المهدية في دارفور، حيث حل محل رودولف سلاطين، حاكم دارفور من قبل الحكم التركي المصري، والذي كان قد استسلم للمهدي في ديسمبر 1883م.
في رأي الكاتبة أن المهدية بالنسبة للحكام وللشعب في غرب دارفور لم تكن فقط رسالة دينية تتطلب قسم الولاء للمهدي واللحاق به في حرب الترك؛ بل هي أيضاً نظام جديد وحكومة مركزية جديدة بكل ما يعنيه ذلك من تدخل في شئونهم الداخلية، وإلقاء أعباء ومتطلبات مرهقة عليهم . وتشبه الكاتبة الانقسام العميق الذي أحدثه هذا النظام الجديد في دارفور - وفي المجتمع السوداني - بالانقسام الذي أحدثته الثورة الفرنسية في غرب أوروبا.. فالمرء إما أن يكون مع النظام أو ضده، حيث لا مجال لموقف وسط. في ظل هذه الظروف عالية البلورة كان نشوء سلطنة المساليت.
كان السودان تحت دولة المهدية مقسماً إلى مديريات حضرية وأخرى عسكرية؛ حيث مثلت المديريات الحضرية قلب الدولة، وكانت تدار من أم درمان.، وهي مناطق مالية أكثر من كونها وحدات إدارية. من الناحية الأخرى كانت المديريات العسكرية موجودة في مناطق الهامش، وهي توفر الحماية للمركز، وحكامها قادة عسكريون على راس جيوش كبيرة، وهم عادة ما يكونوا من قبيلة التعايشة.
لم يتم إخضاع غرب دارفور بشكل فعال من قبل دولة المهدية. ولعل السبب وراء ذلك أن محمد خالد زقل كان مشغولاً بما فيه الكفاية بمناطق دارفور الأخرى؛ حيث توجه اهتمامه إلى محاربة دودبنقا إبراهيم (سلطان الظل) لسلطنة كيرا بعد مقتل السلطان إبراهيم قرض، والذي خلفه شقيقه يوسف في سبتمبر 1884م، وكان هذان الشقيقان على رأس حركة المقاومة لنظام المهدية. وثانيا كان على زقل أن يكسب ولاء قبائل البقارة في جنوب وجنوب غرب دارفور ومشاركتهم في نصرة الخليفة في أم درمان.
كانت لمحمد خالد زقل تعليمات واضحة بأن لا يحارب سلاطين غرب دارفور أو يعاملهم بقسوة. ولهذا فهو لم يذهب أبعد من استمالتهم لقبول الدعوة المهدوية؛ وظل يتبادل الرسائل والهدايا معهم. فهو إذا ما كان إدارياً وقائداً عسكرياً في مناطق دارفور الأخرى، فهو بالنسبة لعلاقاته بالحدود الغربية، كان فقط سفيراً لدولة المهدية. ومن الجدير بالذكر هنا أن الدبلوماسية لم تكن شيئاً جديداً على سلاطين الغرب.
بعد دخول الخليفة في حرب مع يوسف إبراهيم (ابن إبراهيم قرض، آخر سلاطين الفور)، أمر بإحضار سلاطين غرب دارفور الذين ناصروا يوسف إلى أم درمان (تاما – قمر – محاميد – بديات – قرعان – زغاوة ). وقد اتخذ سلطان وداي موقفاً حاداً ضد دولة المهدية؛ وكذلك سلطان دار سلا إسماعيل عبد النبي - والذي كان معروفاً عنه أنه من أخلص خلصاء المهدية في غرب دارفور؛ غير أن الخليفة شك في إخلاصه، واتهمه بحب الرئاسة والميل إلى الاستقلال.. ولذلك تم عزله وإرساله إلى أم درمان. أما الزغاوة فلم يكونوا متعاونين منذ البداية، ولذلك كانوا أول ضحايا حملة المهدية التأديبية؛ والتي تلتها الحملة ضد السلطان إدريس (سلطان قمر)، والذي اتهم أيضاً بالتآمر مع (سلطان الظل) الجديد أبو الخيرات، فكان أن غزا الأنصار دار تاما ونفوا سلطانها إلى أم درمان. وهكذا تحول غرب دارفور بأكمله ضد الأنصار، مما قاد إلى قيام حركة المقاومة المعروفة بحركة أبو جميزة، والتي استمرت من سبتمبر 1888م إلى فبراير 1889م. (سيتم تناول هذه الحركة في حلقة منفصلة).
من الصعب معرفة السبب المحدد لتدهور العلاقات بين الحاكم في الفاشر وحكام الحدود الغربية؛ حيث لم يكن سلاطين الغرب معترضين على وجود قضاة دولة المهدية بينهم.. كما لم يكونوا معترضين على نظام الضرائب والاستحقاقات الإسلامية (الفطرة والزكاة)، حيث أن هذه حقوق الله؛ لكن اعتراضهم كان منصباً على سوء استغلالها، وعلى أسلوب جبايتها. كذلك كانوا متذمرين من الدمار الذي تخلفه وراءها جيوش المهدية في المناطق التي تمر بها، حيث كانوا يصادرون كل شيء يجدونه في طريقهم. إن هذه الممارسات - وإن كانت تتم ضد رغبة الإدارة المركزية في الفاشر- إلا أنها كانت تمثل لسكان غرب دارفور نظام دولة المهدية كما يشاهدوه أمامهم ويلمسونه. فهذه الجيوش التي تمر في ديارهم وتغزوهم عنوة، وتؤسس معسكرات شبه دائمة وسط ديارهم، هي الواقع الملموس لنظام المهدية، مهما كانت نوايا المؤسسة المركزية في الفاشر.
بالإضافة إلى أسباب التذمر تلك، قاوم سلاطين غرب دارفور سياسة التهجير القسري لأم درمان التي مارسها الخليفة مع زعمائهم، باستدعائهم وإبقائهم بأم درمان لمدة غير محددة. ( كان الخليفة يفعل نفس الشيء مع آخرين من السلطات المحلية، وحتى مع مجموعات عرقية بأكملها من مختلف أنحاء السودان). وقد أكدت التجربة أن هؤلاء المهجرين لا يعودون إلى مواطنهم أبداً.
ربما كان دافع الخليفة من وراء ذلك التهجير دافعاً دينياً، أي أن تكون فترة الهجرة - من بين أشياء أخرى - فترة تتم فيها دورات تدريبية للمهجرين لتجديد تعاليم الدين والعقيدة المهدوية. لكن لعل الهدف السياسي كان هو الأكثر أهمية. فبعد وفاة الإمام المهدي أراد الخليفة أن يجدد له الأنصار البيعة وقسم الولاء. كما كان حريصاً على أن يكون ولاء الحكام المحليين له ولاء مطلقاً وتاماً، وذلك لضمان استقرار المناطق الحدودية لدولته. ناحية أخرى هي أن في تهجير الحاكم المحلي وأهله المقربين وأتباعه من أهل الثقة - وهم الذين يشكلون عادة أساس الجيوش المحلية - إضعاف لأي حركات قد تنشأ للمقاومة. كان الهدف الأسمى للخليفة هو أن يجعل من دولة المهدية دولة لا مكان فيها لأي سلطات محلية قوية وذات قاعدة تقليدية للحكم.
******************
تاريخ دار مساليت 1870 – 1930م (3)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
****
مواصلة عرض كتاب: (تاريخ دار مساليت 1870 – 1930م: العقيدة المهدوية والتقاليد السودانوية) لمؤلفته: بروفيسور/ ليدوين كابتجنز
****
بروز قبيلة المساليت كوحدة سياسية
تذكر المؤلفة أنه أثناء المعارك التي خاضتها قوات الزبير باشا ضد قوات سلطنة (كيرا)، والتي قتل فيها السلطان إبراهيم قرض، تقدمت القوات المصرية التركية من الشرق واحتلت دارفور دون أي مقاومة، وأعلنتها مديرية تابعة لمصر. وبعد سقوطها تفتت السلطنة إلى أجزاء ووحدات قبلية، وإلى دويلات عرقية صغيرة تقودها أحياناً مجموعة عرقية مهيمنة.
على الرغم من أن النظام الجديد قام بتقسيم دارفور إلى أربع مناطق، وتأسيس حاميات في كل منها (الفاشر - دارا - أم شنقة – الكلكل)، إلا أن سقوط السلطنة كان يعني بالنسبة للحكام المحليين، اعتماد كل مجموعة عرقية على مواردها الذاتية؛ ويعني كذلك استعادة تلك المجموعات لاستقلالها وحريتها في التفاوض مع الغزاة الجدد. فعلى سبيل المثال عادت قبيلة بني حسين والقبائل الأخرى في غرب دارفور إلى الاعتماد على النظام القبلي بشكل تلقائي؛ لكن الأمر لم يكن بذلك الوضوح بالنسبة للمساليت، وذلك حيث أنه لم يسبق لهم أن شكلوا وحدة سياسية مستقلة بذاتها. وعندما وحدهم زعيمهم هجام حسب الله بعد سقوط سلطنة كيرا، كان قد فرض عليهم تلك الوحدة بالقوة (كما سنرى).
لم تقض هزيمة السلطان إبراهيم قرض على مقاومة الفور، فلقد ظلت المقاومة المتمركزة في جبل مرة مستمرة طوال فترة نظام الحكم التركي المصري. ونتيجة للصراع، أصبح غرب دارفور في حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار، خاصة لما يقوم به الجنود من الجانبين من تخريب للقرى، وتعويق للتجارة. من الناحية السياسية لم يكن ولاء الحكام المحليين الذين خضعوا للنظام الجديد ولاء كاملاً، فهم كانوا دوماً يتحسبون لاحتمال استعادة السلطنة؛ ولذلك كانوا في حالة دائمة من التفكير وإعادة التفكير في المواقف التي يتخذونها بين مساندة السلطة الحاكمة أوالمقاومة.
هجام حسب الله موحد المساليت
لم يكن توحيد المساليت على أية حال نتيجة منطقية، أو رد فعل طبيعي لسقوط سلطنة كيرا؛ فليس هناك دليل على أن التخلص من حكم الفور كان هو الحلم الذي يراود المساليت؛ كما أن اعتلاء هجام حسب الله للقيادة لم يتم في إطار موجة من الشعور الوطني للمساليت، بل جاء توحيدهم منسجما مع تقاليدهم الممارسة، كما يتضح من الكيفية التي تم بها الصلح.
تمثلت المناسبة التي وحد فيها هجام حسب الله القبيلة في تنظيمه وليمة عظيمة تحت ظل شجرة كبيرة في أحد الوديان، نحرت فيها العديد من الثيران.. ووجهت الدعوة للمشاركة فيها لمختلف أفرع القبيلة المتنازعة. وعند اكتمال حضور ممثلي الأفرع المختلفة، الذين ظن أي منهم في البداية أنه هو الوحيد المدعو للوليمة، كان الخيار الذي طرحه هجام عليهم هو إما أن يطلق عليهم النار في الحال! وإما أن يشاركوا في الصلح ويغفروا ويتناسوا كل الدماء التي سالت من قبل.. وهذا هو ما تم.
ربما تلقي هذه الحادثة بعض الضوء على شخصية هجام حسب الله، والذي عرف بأنه شخص قوي وشجاع (ولا يخاف حتى من الشيطان!). كان هجام في نظر قوات الحكم التركي المصري في دار مساليت، واحدا من (ملوك) القبيلة. لكن بالنسبة للمساليت ألقت عليه مساعدته جباة الضرائب (الترك) تبعات سياسية سالبة. فعندما حضر النور عنقرة إلى ديارهم، قرر فرشات دار مساليت الأربعة المقاومة؛ غير أن الفقيه إسماعيل عبد النبي، شيخ خلوة ديرجيل، كتب خطاباً مسالماً لممثل الحكومة، وعد فيه بتقديم عبيد وأبقار مقابل الأمن والأمان للقبيلة. وبما أن إسماعيل عبد النبي كان فقيهاً وشيخ خلوة، ولا يملك الكثير بالطبع، فقد تعهد هجام حسب الله بتنفيذ ذلك الوعد ؛ وكان المقابل الذي ناله هو اعتراف الحكام به رئيساً للمساليت.
بالرغم من صعود إسماعيل عبد النبي إلى مركز القيادة لاحقاً، فإن ذلك لا يقلل من حقيقة أن هجام حسب الله قد كسب اعتراف المساليت به نتيجة لاضطلاعه بمسئولية تمثيلهم في التعامل مع النظام الجديد. وبالمثل كسب هجام اعتراف الحكام به كممثلهم في التعامل مع المساليت. كذلك كان الحكام الجدد مقدرين لهجام دوره في اجتثاث مقاومة الفور التي كان يقودها (سلطان الظل) هارون؛ وتمثل ذلك التقدير بإنعامهم عليه بلقب (بك)، وبتحويل (نحاس) هارون إليه، وفي ذلك قيمة رمزية عظيمة، إذ أنه يعني الاعتراف به كحاكم أو حتى كسلطان للمساليت.
ما كان لإدارة هجام حسب الله أن تبدأ من الصفر، حيث كان هناك دائماً (ملوك) تقليديون متعودون على طاعة حكامهم. وبينما استمرت علاقات هجام بالنظام التركي المصري جيدة، إلا أن صداماته مع حكام سلطنة كيرا السابقين لم تنقطع. وكانت له مشكلات أيضاً على الحدود الغربية. لكن رغم ذلك فإن عهده يذكر بأنه فترة ساد فيها سلام نسبي.
لم يكن يشار إلى هجام بالسلطان، بل كان لقب (البك) هو السائد عند الحديث عنه. وهو، وإن لم يكن المؤسس لسلطنة المساليت (التي جاء تأسيسها لاحقاً في عام 1884م)، إلا أنه هو الذي مهد لها وبشر بها. وفي الواقع كان هجام حسب الله يتعامل وكأنه سلطان، حيث كان له (نحاس) - كما ذكر سابقا- وذلك رمز من رموز السلطة السلطانية. وثانياً كانت لهجام سلطة الحكم بالإعدام، (والتي مارسها فعلاً)، وهي سلطة كان يتمتع بها سلطان الفور. كذلك وضع هجام نفسه موضع السلطان بمنحه أشخاصاً حق إدارة القرى، وباقتطاعه أرضاً لآخرين على سبيل الهبة. إن هجام يستحق أن يوصف بأنه موحد المساليت؛ فلقد نجح من خلال موقعه القوي، في إجبار القبيلة على المحافظة على الأمن، وعلى الوحدة الجديدة التي تأسست.
من أسباب التمرد على هجام وسقوطه، الضرائب الباهظة المفروضة في عهده (كان من المستحيل عليه إرضاء رعاياه من أهله من ناحية، وإرضاء رؤسائه من الحكام (الترك) من الناحية الأخرى في نفس الوقت). كذلك كانت قسوته وظلمه من العوامل الهامة التي قادت لسقوطه. فقد كان يقوم بإعدام معارضيه - حتى وإن كانوا من أهله المقربين - بتصفيدهم والإلقاء بهم في وادي كاجا أثناء فترة اندفاع السيل بقوة. وأخيراً يمكن القول أن سقوط هجام كان نتيجة طبيعية لسقوط النظام الذي ارتبط به إثر انتصارات المهدية
********
تاريخ دار مساليت 1870 – 1930م (4)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
****
مواصلة عرض كتاب: (تاريخ دار مساليت 1870 – 1930م: العقيدة المهدوية والتقاليد السودانوية) لمؤلفته: بروفيسور/ ليدوين كابتجنز
****
إسماعيل عبد النبي الأب المؤسس لسلطنة المساليت
تذكر المؤلفة أن هناك ارتباطاً ملحوظاً بين سلطنة المساليت ودولة المهدية؛ فكلاهما دولة قائمة على العقيدة، ومؤسسة وفقاً لنظام مركزي. وقد تزامن قيام سلطنة المساليت مع سقوط النظام التركي المصري على يد ثوار المهدية. وكان مؤسس سلطنة المساليت إسماعيل عبد النبي أحد عمال النظام المهدوي الجديد؛ وقد استغرق ابنه وخليفته أبكر في معارك أيديولوجية مع السلاطين المجاورين، مدافعاً عن وضع بلاده الجديد، ووضعه الجديد هو شخصياً كذلك، مستنداً في ذلك على عقيدته المهدوية. ولقد تمكن المساليت من تقوية سلطنتهم من خلال الحراك السياسي والدبلوماسية الذكية، مستفيدين من ظروف الصراع والحروب التي نشأت بين جبهة الغرب ودولة المهدية، وما نتج عن تلك الأوضاع من اهتزاز في توازن القوى.
لقد قام حاكم دارفور من قبل دولة المهدية ، محمد خالد زقل، قبل مغادرته الفاشر في يناير 1886م بتعيين إسماعيل عبد النبي عاملاً للمهدية مسئولاً عن المناطق الغربية لدارفور حتى حدود وداي (تشاد). وكان في ذلك التعيين تأكيد للاعتراف السابق (في 1885م) بإسماعيل كرئيس للمساليت؛ خاصة وأنه كان في غاية الإخلاص للمهدية.
تورد المؤلفة جانباً من سيرة إسماعيل عبد النبي، حيث تذكر (ومصدرها في ذلك حفيده الدكتور علي حسن تاج الدين) أنه ينحدر من عرب خزام الذين أتوا لدار مساليت من تونس عن طريق تشاد. وقد أسس جده محمد ساجا خلوة (درجيل)، والتي توارث أحفاده إدارتها. وقد تلقى والده عبد النبي العلم والفقه على يد الشيخ إسماعيل الولي (1793 – 1863م) بالأبيض، ومن ثم انتسب للطريقة الإسماعيلية. ولقد أصبح إسماعيل فقيها مثل والده؛ وبهذه الصفة سافر كثيراً في غرب دارفور. وعندما ظهر المهدي ذهب إسماعيل وبعض من عشيرته لزيارته في كردفان (قدير والأبيض)؛ وعاد ليبشر برسالة المهدي الدينية الجديدة، ويعلم المساليت الشهادة والجلالة كما طلب منه المهدي. استمر حكم إسماعيل لمدة أربع سنوات حكم فيها دار مساليت والمنطقة التي تسكنها المجموعات العربية في الشمال الشرقي.
غادر إسماعيل دار مساليت في مايو 1888م، حيث تم استدعاؤه من قبل الخليفة إلى أم درمان. وكما تفيد وثائق المهدية، فإن السبب وراء ذلك الإبعاد هو تنامي قوته. لكنه - وبينما ظل على إخلاصه للمهدية - بدأ يشعر بالإحباط وهو يرى التغييرات التي أخذت تحدث منذ وفاة المهدي، والمتمثلة في التطلع للسلطة والمكاسب الدنيوية، بعيداً عن مثاليات المهدي الدينية ونقائه. ومن المؤهلات الرئيسية التي أهلت إسماعيل عبد النبي للزعامة، كونه فقيهاً تحت نظام جديد مؤسسه فقيه هو الآخر، ألا وهو محمد أحمد المهدي، والذي كان إسماعيل عامله. وقد عرف عن إسماعيل اهتمامه بتعاليم الدين والعقيدة المهدوية؛ فهو قد علم المساليت ترديد (الشهادة) و(الجلالة)، كما ذكر سابقاً، وأمر الناس بالانتظام في الحضور للصلاة في المساجد، والالتزام بالصيام في رمضان. كما منع التمباك والمريسة، وطبق توجيهات المهدي بتخفيض المهور. كذلك حارب بعض الممارسات الاجتماعية التقليدية، المتمثلة في الطقوس الدينية ذات الجذور الوثنية، والتي كانت تمارس أمام أحجار معينة، أو في قمم الجبال، أو في الكهوف، والأشجار الكبيرة، طلباً للمطر أو المنافع الأخرى. وقد أغلق إسماعيل الطريق المؤدي إلى مزار (حجر جاركوني)؛ ومن بعده قطع السلطان تاج الدين (شجرة بيدا) لوضع نهاية للطقوس الوثنية التي كانت تؤدى تحتها. وعلى الرغم من أن نفوذ إسماعيل عبد النبي ، قبل أن يصبح سلطاناً، كان قائماً على مكانته كفقيه، إلا أنه بعد عام 1884م، برز كرجل دولة، بتأسيسه سلطنة المساليت ووضعه القواعد القوية لمؤسساتها الرئيسة.
بعد سقوط النظام التركي المصري عاد ألجنود من أبناء المساليت الذين كانوا يعملون في خدمة ذلك النظام إلى ديارهم، حيث أخذوا في تقديم خدماتهم للسلطان إسماعيل، وساندوه بكل ما امتلكوه من سلاح ناري ومن مهارات عسكرية. ورغم أن هؤلاء كانوا جنوداً عاديين عندما كانوا في خدمة النظام التركي المصري، إلا أنهم أصبحوا من الشخصيات المهمة في بلاط السلطان إسماعيل، ومصدر قوة له؛ وهو قد وضع بعضهم في مناصب إدارية هامة. كذلك انضم إلى مساندة السلطان إسماعيل بعض المعارضين للحكم التركي المصري من الذين كانوا قد لجأوا لدار مساليت ، ومنهم قضاة وفقهاء. وهكذا قوى إسماعيل من نفوذه باستيعابه عناصر مؤسسة الحكم التركي المصري وإدارته، مستبعداً بالطبع من يشك في أنهم قد يشكلون خطراً على سلطته. الجهة الثالثة التي قدمت سنداً للسلطان إسماعيل كانت قئة الفقهاء ورجال الدين.
حكم السلطان إسماعيل عبد النبي لمدة أربع سنوات (1884 – 1888م). ورغم أنه هو الذي وضع الأسس للإدارة الداخلية للسلطنة، إلا أن ابنه أبكر كان هو الذي قام في العقد الأول من فترة حكمه بتعزيز مكانة السلطنة داخلياً وخارجياً وتطوير مؤسساتها.
***************
تاريخ دار مساليت 1870 – 1930م (5)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
*****
مواصلة عرض كتاب: (تاريخ دار مساليت 1870 – 1930م: العقيدة المهدوية والتقاليد السودانوية) لمؤلفته: بروفيسور/ ليدوين كابتجنز
****
السلطان أبكر إسماعيل (1888 – 1905م
سلطان بلا منازع
تبدأ المؤلفة تناولها لعهد السلطان أبكر إسماعيل بأنه، مثل السلاطين السودانويين الآخرين، جمع ما بين مجموعتين من الانتماءات الأيديولوجية،وهما الإسلام الذي أعطى حكمه سمته الأساسية من ناحية، والتقاليد السودانوية (Sudanic Traditions) من الناحية الأخرى، خاصة في تحديدها للعلاقة بين الحاكم ورعاياه. فبينما قدمت سلطنة المساليت نفسها لجيرانها على أنها دولة مهدوية مصغرة، إلا أنها كانت منظمة داخلياً كدولة سودانوية على نمط سلطنة كيرا (دارفور). وفي الوقت الذي كان فيه هجام حسب الله ممثلاً للنظام التركي المصري، وإسماعيل عبد النبي عاملاً لدولة المهدية، كان أبكر سلطاناً كاملاً بمكانة مساوية للسلاطين في السلطنات المجاورة (وإن كان في مكانة أقل من السلطان في سلطنة وداي).
ولقد عزز السلطان أبكر من سلطته بانتهاجه الأسس التي أرساها والده إسماعيل؛ وجعل من نفسه سلطاناً بلا منازع، وذلك من خلال أربع وسائل:
- بانتهاجه النمط التقليدي للممالك السودانوية، والتي تمثلها سلطنة كيرا (دارفور).
- بإنشائه لطبقة حاكمة جديدة ، وتأسيسه لشبكة من التقسيمات الإدارية.
- من خلال تأسيسه لجيش محترف من (العبيد)، يضمن له تفوق الدولة من ناحية، ويقلل من اعتماده الكامل على رجال الطبقة الحاكمة من الناحية الأخرى.
- ممارسته السيطرة على التجارة الخارجية لدار مساليت.
وعلى النقيض من والده إسماعيل، يذكر الناس أبكر كسلطان متعجرف وحاد المزاج وقاسي. فبينما كان في بداية عهده إنساناً لصيقاً بالناس بمختلف رتبهم الاجتماعية، وكانوا يحبونه ويستقبلونه دائماً بعبارات الود والترحاب، إلا أنه مع مرور الزمن غير من ذلك النهج؛ وأصبح يلوذ بقصره (الدانقة – وهي مبنى من الطين من طابقين)، يطل منه على عاصمة سلطنته وما حولها. ولقد أتخذ أبكر كامل المظاهر الخارجية للسلطان، بما في ذلك إبقائه على فئة الموظفين الذين يرتبطون تقليدياً بالسلاطين، واستخدامه للنحاس (والذي غنمه من الأنصار)، بدلاً من الجرس (مندكورا) الذي كان مستخدماً في عهد والده إسماعيل. لم يشتمل قصر السلطان أبكر فقط على (الدانقة)، والتي هي على نمط القصور في الحزام السودانوي (Sudanic Belt) الشرقي، بل كانت ملحقة بالقصر أجنحة منفصلة للرجال وللنساء، مثلما كان سائداً في بلاط سلاطين الفور في الفاشر. وكان للسلطان أبكر عدد كبير من الزوجات ومن ملك اليمين (حاز على عدد منهن من الفاشر إثر حملته على الأنصار).
رجال الحكم
وكان السلطان أبكر محاطاً بعدد من المسئولين من حملة الألقاب الرفيعة. ويأتي على رأسهم الوزيز، والذي هو في تقاليد دار مساليت الذي ينصح السلطان في الشئون العسكرية، ويتولى القيادة عند الحرب. وله أيضاً عدد من الأمناء، وهم من موظفي وخدم البلاط الموثوق بهم والمقربين. لم تكن لهؤلاء الأمناء مهام محددة؛ فهم يؤدون خدمات متنوعة في القصر، مثل تكليفهم بتوصيل الرسائل وغير ذلك من المهام. لكن أهمية هؤلاء الأمناء أنهم يمثلون رمزاً من رموز السلطة.
كان السلطان أبكر مدركاً لأن الدولة بحكم وظائفها ومهامها تحتاج إلى وجود طبقة من رجال الحكم، وأن وضع القواعد الأساسية للسلطنة يتطلب تكوين هذه الطبقة. غير أن هذا النظام المركزي الجديد يختلف في أوجه كثيرة عن نظام المساليت التقليدي (الملوكية والفرشة). مع نشوء السلطنة اقتصر استخدام لقب (باسنقا) أولاً على المقربين من أهل إسماعيل (أشقاؤه وأعمامه)؛ وامتد استخدام اللقب ثانياً للمنحدرين من سلالة الحكام التقليديين الآخرين. كما استخدم لقب (باسي) للأفراد الذين أصبحوا على صلة وثيقة بالسلطان دون أن يكونوا من أهله المقربين.
الجهدية
العنصر الثالث في سياسة السلطان أبكر الرامية لتقوية ومركزية سلطنته كان استخدامه (الجهدية)، والذين هم الجنود من (العبيد) ذوي المهارة في استخدام السلاح الناري. ولم يكن السلاح الناري و(العبيد) الذين لديهم الخبرة في استخدامه من الظواهر الجديدة في ذلك الوقت في دار مساليت. حتى الفترة التي استولى فيها المساليت على كميات كبيرة من السلاح الناري ومن (العبيد) أثناء حروبهم في ذلك العقد (تسعينات القرن التاسع عشر)، لم يكن لهم كيان من المحترفين للجندية. كان الجزء الرئيسي من (جهدية) السلطان أبكر من الجنود الذين استبقى عليهم بعد طرد حامية المهدية من دار مساليت. في البداية عمل هؤلاء (الجهدية) كحراس شخصيين للسلطان أبكر.
كأداة من أدوات السياسة الخارجية لم تكن (للجهدية) أهمية كبيرة؛ حيث أنه في حالات الحرب كان المحاربون المشاة من المساليت يفوقونهم عددا، وكان الخيالة من نبلاء المساليت يفوقونهم أهمية. كانت أهميتهم الكبرى تكمن في كونهم أداة من أدوات السياسة الداخلية. فبما أن السلطان يعيش في (درجيل)، ويدير البلاد من العاصمة، فإن المقاديم (مفردها مقدوم) والذين كان يتم اختيارهم من (الجهدية)، كانوا هم الذين يمثلونه كوكلاء له في المناطق الأخرى. غير أن المساليت قد ضاقوا بهم، نظراً للسلطات الكبيرة التي منحها السلطان أبكر لهم. وبشكل خاص ضاق بهم أفراد قبيلة السلطان، الذين أحسوا بأن السلطان لا يريد إشراكهم في السلطة، وأنه بدأ يخالف سياسة والده السلطان إسماعيل الذي كان يخصهم بمواقع مؤثرة في الحكم.
التجارة الخارجية
العنصر الرابع من سياسة السلطان أبكر الرامية إلى تقوية سلطة الدولة، كان بسط سيطرته على التجارة الخارجية، والتي كانت تشكل مجالاً اقتصادياً منفصلاً، وهي كانت بشكل عام تحت سيطرة الدولة في جميع أنحاء الحزام السودانوي الشرقي، كما يؤكد ذلك تطور التجارة في سلطنة المساليت في عقد التسعينات (من القرن التاسع عشر). فالمساليت في عهد سلطنة دارفور لم يكونوا مشاركين في التجارة عبر الطريق الرئيسي بين سلطنتي (وداي) ودارفور، والذي يمر بشمال ديارهم. لكن مع نشوء سلطنة المساليت تغير ذلك الحال؛ ففي عهد السلطان إسماعيل والسلطان أبكر أصبحت العاصمة الجديدة (درجيل) مركزاً للتجارة عبر المسافات البعيدة. وحيث أن الثورة المهدية كانت قد أثرت على انسياب التجارة بين مصر ودارفور، وبين دارفور ووداي (تشاد)، فقد أصبحت (درجيل) هي المحطة الطرفية الجنوبية للتجارة عبر الطريق الصحراوي من بنغازي.
كانت سيطرة السلطان على التجارة الخارجية نابعة من حاجته لمنتجاتها من أجل بلاطه، ومن أجل إشباع حاجات رجال الطبقة الحاكمة؛ ومن مقدرته على تكوين كميات كافية من سلع التصدير المرغوبة؛ ومن استطاعته على توفير الحماية التي يطلبها التجار من الفزان والجلابة . ولم يكن في مقدور أي قافلة الدخول لدار مساليت دون إذنه. كانت معظم السلع الأجنبية تباع في (درجيل) مقابل العاج وريش النعام وقرن وحيد القرن والجلود. وقد أسهمت محدودية سلع التصدير في السيطرة على التجارة.
******
تاريخ دار مساليت 1870 – 1930م (6)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
****
مواصلة عرض كتاب: (تاريخ دار مساليت 1870 – 1930م: العقيدة المهدوية والتقاليد السودانوية) لمؤلفته: بروفيسور/ ليدوين كابتجنز
****
السلطان تاج الدين إسماعيل
قائد المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي
فرنسا وغرب دارفور
في الثاني من يونيو 1909م احتل الفرنسيون أبشي، مما جعل سلطان وداي (تشاد) يفر إلى الشمال لتنظيم المقاومة المستقبلية، ونصب الفرنسيون آدم اصيل سلطاناً مكانه. وكان غزو الفرنسيين لسلطنة وداي تحقيقاً لسياسة سبق أن تم إقرارها في عام 1906م، والتي تخلت فرنسا بموجبها عن السياسة الدفاعية التي كانت تنتهجها نحو (وداي)؛ وتبنت بدلاً عنها سياسة هجومية، تمثلت في ممارسة الضغط بثبات في اتجاه الشرق. وكانت هناك عدة أسباب وراء هذا التغيير في السياسات، من بينها تعزيز سلطة فرنسا في المناطق الغربية لدارفور، خاصة وأن (الوداويين) كانوا كثيراً ما يخرقون استقرار الحدود. سبب آخر هو تخوف الفرنسيين من احتلال عثماني/ سنوسي مشترك لـ (وداي) من الشمال.، أو احتلال اقتصادي لها وتحويل تجارتها للشمال (بواسطة العثمانيين)، أو للشرق (بواسطة البريطانيين).
بعد غزوهم لأبشي، نزع الفرنسيون سلاح السكان، ودعوا رعايا سلطنة (وداي) وفروعها للاستسلام. وفي الخامس من يونيو 1909م كتب آدم أصيل إلى سلاطين المناطق الحدودية معلناً نفسه السلطان الجديد لـ (وداي). كان أول المتجاوبين مع رسائله سلطان دار تاما، وتبعه سلاطين دار سلا ودار قمر. أما السلطان تاج الدين والسلطان علي دينار - وإن كانا قد أرسلا تهنئة - إلا أن رسالتيهما اشتملتا على تحذير واضح لأصيل. بل كانت رسالة تاج الدين إعلانا مبطنا عن استقلال سلطنته. وقد أدرك أصيل تماماً ما عناه كل من علي دينار وتاج الدين. غير أن الفرنسيين لم يكونوا على نفس الدرجة من الإدراك ، حيث أنهم واصلوا اندفاعهم نحو الشرق.
إلى جانب ذلك كانت التعليمات الصادرة للكولونيل الفرنسي فايجنشو - الحاكم الجديد لـ (وداي) - واضحة جداً، ومفادها أن عليه التأكيد على السيادة الفرنسية على الدويلات الواقعة في نطاق (وداي)، وأن يصدر خطابات لكل سلاطين الديار الحدودية ، وأيضاً لكل رؤساء القرى التي تقع في الحدود مع دارفور، يضمن لهم بموجبها الحماية الفرنسية. كان هدف الفرنسيين من وراء ذلك هو تقوية موقفهم التفاوضي في المباحثات الإنجليزية الفرنسية المتعلقة بحدود وداي/ دارفور.
الانتصار في معركة (كريندنج)
قبل سلاطين دار تاما ودار قمر بالحماية الفرنسية، بينما قرر المساليت محاربة الفرنسيين، وأعلنوا موقفهم ذاك صراحة؛ بل أن السلطان تاج الدين قدم تحذيراً واضحاً للكولونيل فايجنشو. في الرابع من يناير التحمت قوات دار مساليت مع القوات الفرنسية في معركة (كريندنج)، والتي عرفت أيضاً بمعركة (وادي كاجا)، بالقرب من مدينة الجنينة، والتي انتهت بنصر باهر لقوات المساليت، وهزيمة ساحقة للقوات الفرنسية، حيث قتل من جانبهم مائتان وثمانون محارباً - خمسة منهم أوربيون، بما فيهم قائدهم الكولونيل فايجنشو.
في هذه الأثناء كان السلطان علي دينار منزعجاً جداً من نشاط الفرنسيين على حدوده الغربية، ونقل ذلك الانزعاج إلى حكومة السودان، التي لم تقدم له أكثر من نصحه بالصبر، وبأن يكون واثقاً من أن الحكومة الفرنسية سوف تحترم اتفاقيتها مع الحكومة البريطانية، والتي تضمن عدم التدخل في الحدود الغربية لدارفور. وعندما غزا الفرنسيون دار مساليت تأكدت صحة شكوك علي دينار فيما يتعلق بنوايا الفرنسيين. وبعد انتصار تاج الدين في معركة (كريندنج) أرسل علي دينار لحكومة السودان مفتخرا بأن رجاله المسئولين عن إدارة دار مساليت قد أبادوا القوات الفرنسية حتى آخر رجل.
المقاومة
في هذا الوقت عاد دود مرة (سلطان وداي السابق)، والذي كان قد فر إلى الشمال ولجأ مع قائده الروحي، ومستشاره السياسي، وشريكه التجاري السنوسي؛ وعاد معه مناصروه من الأخوان السنوسية، وبعض أفراد قبائل الصحراء؛ وشرع في تنظيم المقاومة ضد الفرنسيين. كذلك انضم سلطان دار سلا سراً إلى معسكر المقاومة. لم تكن للفرنسيين القوات الكافية لمجابهة مثل هذه المقاومة متعددة المشارب والتي بدأت في الانتظام. وبينما لم يستقر رأي المسئولين في باريس حول إذا ما كان على قواتهم البقاء أو غير ذلك، بدأت الحامية على عجل في تحصين أبشي وانتظار التعزيزات المرتقبة.
بدا الموقف يزداد خطورة ؛ وأخذ الشك يساور الفرنسيين في ولاء حلفائهم (الوداويين) - بما فيهم السلطان أصيل نفسه - والذي نصبوه هم!. وفي مارس 1910م فر عدد من أعيان (وداي) للالتحاق بدود مرة في كابكا. بعد انتصاره في معركة (كريندنج) كان السلطان تاج الدين قد وجه رسالتين إلى آدم أصيل ينصحه فيهما بالتخلص من بقايا الفرنسيين بأسرع ما يمكن.
وفي الوقت الذي كان فيه الفرنسيون ينتظرون التعزيزات، بدأت المقاومة تفكر في المبادرة بالهجوم. تحالف تاج الدين مع علي دينار؛ وبدأ التنسيق بين القادة العسكريين من دار مساليت ودار فور للتخطيط لهجوم مشترك على أبشي. كذلك جرت محاولات للتنسيق بين قوات دارفور وقوات دود مرة؛ غير أن الأخير رأى أن يتم الهجوم على الفرنسيين من كلا القوتين بشكل منفصل.
معركة داروتي واستشهاد السلطان تاج الدين
حيث أن (درجيل) - عاصمة دار مساليت - أصبحت بعد معركة (كريندنج) هي مركز الثورة ضد الفرنسيين، وملاذ المعارضين لهم، فقد قرر الحاكم الفرنسي الجديد الكولونيل (مول) أن يخوض المعركة ضد المساليت، خاصة وأن التعليمات الصادرة إليه كانت أن يعاقب المساليت في أول فرصة سانحة. وبينما أرسل قوات إلى دار مساليت عن طريق دار تاما ودار جبل، اتخذ هو الطريق المباشر من جهة الشرق، وخاض المعركة في داروتي (بالقرب من الجنينة) في التاسع من نوفمبر 1910م؛ وهي المعركة التي استبسل فيها مقاتلو المساليت وفرسانهم - رغم عدم التكافؤ في السلاح بين الجانبين. قتل في المعركة من جانب القوات الفرنسية (الجنود التشاديين والسنغاليين) 28 جندياً، وجرح 69 آخرون، وفقد 14 جندياً؛ كما قتل 20 من الضباط الفرنسيين بمن فيهم الكولونيل (مول) نفسه. وقد استشهد في المعركة السلطان تاج الدين و 40 من أقاربه، والمئات من أبناء المساليت الآخرين. وتابع الفرنسيون انتصارهم بحملة انتقامية في يناير 1911م، حيث انتشروا في جميع انحاء دار مساليت منفذين سياسة القمع الممنهج في السهول وفي الوديان.. أحرقوا (درجيل)، واستولوا على أكثر من ألفي رأس من الأبقار.
الفضل ما شهدت به الأعداء
غير أن شجاعة المساليت وشراسة قتالهم قد وجدت طريقها إلى سجلات التاريخ العسكري الفرنسي، حيث كتب قائد الحملة الكولونيل (ميلارد) في تقريره:
"كان المساليت أعداء شجعان، ومقاتلين شرسين، يثيرون الرعب في النفوس.. وكانت مقاومتهم حقاً مقاومة وطنية ".
******
تاريخ دار مساليت 1870 – 1930م (7)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
****
مواصلة عرض كتاب: (تاريخ دار مساليت 1870 – 1930م: العقيدة المهدوية والتقاليد السودانوية) لمؤلفته: بروفيسور/ ليدوين كابتجنز
****
مقاومة المساليت للاستعمار البريطاني
كما هو معروف فقد تأسس الحكم الثنائي للسودان في عام 1898م، بينما تم ضم دارفور في عام 1916م، واحتلال دار مساليت في عام 1922م. لهذا فإن التغييرات التي نتجت من انضمام السودان للإمبراطورية البريطانية كان متوقعاً أن تمتد إلى دارفور أيضا في وقت لاحق. غير أن تركيز مؤلفة الكتاب ينصب بشكل خاص على تبعات انضمام دار مساليت (وليس كل دارفور) إلى السودان الإنجليزي المصري.
الاحتلال
باحتلال الفاشر في مايو 1916م، أصبح ترسيم الحدود لمناطق النفوذ بين الفرنسيين والبريطانيين (أي حدود السودان/ تشاد)، أمراً ضرورياً ومطلوباً. ومن الجدير بالذكر أن حكومة السودان حتى عام 1917م كانت في حالة جهل تام بالمناطق الواقعة غرب جبل مرة.
كانت لدي المسئولين في الموقع من الجانبين البريطاني والفرنسي تعليمات بأن لا يقدموا على أي عمل من شأنه أن يؤثر أو يعقد القرار النهائي حول الحدود السودانية التشادية، إلا أن الفرنسيين كانوا في الواقع وكأنهم قد تخلوا عن ادعائهم بتبعية دار مساليت لهم. ويبدو أنهم قد تعبوا من أن يقع عليهم وحدهم عبء الإبقاء على سلطان المساليت في السلطة، والمحافظة على سلام الحدود. لذلك اقترحوا على البريطانيين في أكتوبر 1917م بأن يقوموا (أي البريطانيين) بتأسيس حامية في الحدود الشرقية لدار مساليت، إلى حين اتخاذ القرار النهائي حول تبعية دار مساليت لبريطانيا أو فرنسا. وبالفعل أصدرت وزارة الخارجية البريطانية موافقتها على ذلك الاقتراح في فبراير 1918م، حيث تم على الفور (في شهر مارس) تأسيس فرقة مشاة في (كرينيك)، وتم تعيين قائد لها، وكذلك تعيين ضابط من القلم السياسي ملحقاً بها. وقد بعثت حكومة السودان برسالة للسلطان محمد بحر الدين وضحت له فيها نواياها وأهدافها من وراء تأسيس الحامية، والمتمثلة في:
- حرصهم على السلام في الحدود.
- عدم نيتهم التدخل في إدارته لبلاده.
- أن القصد من الحامية أساساً هو مساندة سلطته في حال نشوب أي مشاكل يثيرها معارضوه.
- ستعمل حكومة فرنسا وحكومة السودان الإنجليزي المصري في ترابط وتنسيق من أجل المحافظة على الأمن والنظام في الحدود.
وقد تم تزويد قائد الحامية بتعليمات منسجمة مع فحوى تلك الرسالة، ومؤكدة على الأهداف من وراء تأسيس الحامية؛ حيث جاء في تلك التعليمات:
- ليس للحامية سلطة على السكان.
- عليها توفير حرس الشرف والأسلحة للسلطان.
- على المسئولين في الحامية القيام بسداد قيمة ما يستهلكونه من حبوب وحليب ولحوم، وما يستخدمونه من عمالة.
- على المسئولين بالحامية الابتعاد تماماً عن الاختلاط بالنساء.
قام السلطان محمد بحر الدين بعمل الترتيبات اللازمة لتوفير الإمدادات للحامية؛ غير أنه لم يخف عداءه للبريطانيين (حتى عندما استقبلوه بحرس شرف، وبرز له ثلاثة من الضباط الإنجليز لتحيته، لم ينزل لهم عن فرسه!). كان المسئولون البريطانيون على معرفة تامة بالعداء الذي يكنه لهم السلطان، وبأنه كان يقوم بسجن كل من يتصل بالحامية دون إذن صريح منه؛ وكانوا يعرفون عن إخفائه أسلحته النارية، وخيل الحرب، ونساءه خارج العاصمة. غير أنهم كانوا، رغم ذلك، ملزمين بإتباع التعليمات الصادرة إليهم بمساندته والوقوف إلى جانبه. وقد تذمر هؤلاء البريطانيون من ازدراء السلطان لهم، ورأوا في قبولهم المستمر لتعاليه عليهم مساساً بكرامتهم. ولذلك دعوا للاحتلال الفوري لدار مساليت!. لكن حكومة السودان رفضت أن تأذن بذلك قبل وضوح نتائج المفاوضات الإنجليزية الفرنسية حول الحدود بشكل رسمي. وعندما تم ذلك في عام 1921م، بدأت الحكومة في الإعداد لاحتلال دار مساليت.
وضعت الحكومة مجموعة من المقترحات، وتمت مناقشتها مع السلطان محمد بحر الدين في الفاشر في يناير 1920م، من بينها:
- أن يقوم السلطان بدفع 500 جنيه في شكل أبقار يتم بيعها في الفاشر.
- أن يوفر المساكن للقوات وموظفي الحكومة في (كرينيك)، وأن يمدهم بالذرة (تضاف قيمته للميزانية)، واللحوم (والتي سيتم سداد قيمتها على الفور).
- سوف لن تكون للسلطان سلطة توقيع عقوبة الإعدام؛ كما سوف تحدد سلطاته القضائية الأخرى.
- سوف يتم تحريم الرق واستيراد الخمور.
- تتم جباية الضرائب بواسطة ممثلين محليين منتخبين.
- على السلطان أن يدرك أن بقاءه في السلطة رهين بولائه للحكومة، وقبول شعبه.
مساندة المساليت لثورة السحيني
تركت ثورة السحيني في جنوب دارفور تأثيراتها على مسار الأحداث في دار مساليت. فعندما هاجم الثوار بقيادة الفقيه عبد الله السحيني مركز الحكومة في نيالا، وقتلوا مفتش المركز البريطاني، كان من بين صفوف الثوار العديد من أبناء المساليت من الذين يسكنون بجنوب دارفور. وفي هذا الأثناء كان مساليت الغرب - والذين كانوا على اتصال بأقاربهم هناك- يعدون لمهاجمة حامية (كرينيك) في حالة نجاح ثورة نيالا. وأشيع أن السلطان نفسه كان مشاركاً سراً ومتعاطفاً مع المخططين؛ وقيل أنه كان قد أمر الفقهاء أن يصلوا من أجل حدث سوف يمنع الاحتلال الإنجليزي المصري لدار مساليت، وأنه أمر رعاياه بالاستعداد. وبالفعل كانت حامية (كرينيك) محاصرة عمليا طوال شهر أكتوبر 1921م، حيث كان هناك ما بين 4000 - 5000 من مقاتلي المساليت معسكرين في الوادي المجاور، وكان الفرسان من النبلاء على ظهور الخيل. غير أن ثورة نيالا قد تم قمعها، وأعدم قائدها الفقيه عبد الله السحيني؛ كما قامت الحكومة بعمل تعزيزات إضافية لحامية (كرينيك). ولهذا لم ينفذ المساليت هجومهم المخطط له على الحامية.
غير أن حكومة السودان كانت مصممة على معاقبة المساليت على ذلك التمرد؛ حيث رأت أولاً أن تجري القوات استعراضاً للقوة؛ وأن يتم احتلال الجنينة فوراً؛ وأن توقع غرامة جماعية عامة على السكان؛ وأن تنفذ عليهم عقوبات قاسية تكون عبرة لمن يعتبر في المستقبل. بالفعل تم احتلال الجنينة في 22 يناير 1922م.
في هذا الأثناء تمت أخيراً تسوية الحدود السودانية التشادية، وشرعت المفوضية المسئولة عن ترسيم الحدود في عملها فوراً. ومن موقعها الجديد في الجنينة بدأت حكومة السودان في التخطيط لإدخال تحول جذري في إدارة دار مساليت، وهو ما عرف بنموذج "الحكم غير المباشر" (والذي نتناوله في حلقة قادمة).
*****
تاريخ دار مساليت 1870 – 1930م (8)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
*****
مواصلة عرض كتاب: (تاريخ دار مساليت 1870 – 1930م: العقيدة المهدوية والتقاليد السودانوية) لمؤلفته: بروفيسور/ ليدوين كابتجنز
****
تطبيق نموذج الحكم غير المباشر
كنتيجة للظروف الخاصة التي تأسست بموجبها صلات حكومة السودان بسلطنة المساليت، فقد قامت مبادئ إدارة الحكم الثنائي لدار مساليت منذ البداية على نموذج (الحكم غير المباشر). فأصبح التعامل مع دار مساليت وكأنها إمارة مصغرة؛ بل نظرت إليها حكومة السودان كمختبر لتجربة (الحكم غير المباشر) في السودان.
غير أن الحكم غير المباشر لم يصبح سياسة إدارية عامة إلا في عام 1924م. ولقد كان الموقف الرسمي السائد حيال ذلك النوع من الحكم من المنطلق البراجماتي والإداري بأكثر من المنطلق السياسي أو الأيديولوجي. وتتضح الأسس التي وضعتها الحكومة للحكم غير المباشر من خلال هذه الرسالة التي بعث بها حاكم عام السودان إلى سلطان دار مساليت، والتي تقرأ:
" إلى السلطان محمد بحر الدين بن السلطان أبي بكر
سلطان دار مساليت
تحية طيبة وبعد،
أكتب لكم خطابي هذا لأفيدكم رسمياً بالتغيير الذي حدث في دار مساليت بعد احتلالها من قبل حكومة السودان، وتعيين ممثل لها في بلادكم.
وبصفتي رئيساً للحكومة المذكورة، وبموجب هذا الخطاب، أؤكد لكم رسمياً على موقعكم كسلطان لدار مساليت، تأخذون السلطات مني مباشرة. ولهذا فإني أضع السلطة في أيديكم لاتخاذ جميع الخطوات التي ترغبون فيها من أجل تحقيق راحة ورخاء بلادكم؛ وذلك بموافقة ممثل حكومتنا المقيم معكم، وحاكم مديرية دارفور".
غير أن ما أعطته الحكومة باليمين أخذته باليسار . فباحتلالها لدار مساليت، وتوليها السيادة عليها، فهي قد قلصت سلطات السلطان بشكل كبير؛ حيث فقد السيطرة على القوات المسلحة، وحق التعامل مع القوى الخارجية، أو تسوية الحدود؛ كما فقد سلطته على الأجانب (أي معظم مدينة الجنينة، والتي أصبحت مقاطعة مختلفة عن بقية الدار).
لم تنظر الحكومة لالتزامها بالحكم غير المباشر على أنه يعني النأي بنفسها عن تغيير دار مساليت، بل يعني إحداث ذلك التغيير من خلال (الحكم غير المباشر). ولقد كانت الأهداف الضمنية للحكومة من وراء سياسة (الحكم غير المباشر) هي كسب ولاء المساليت، والمساعدة في إقامة سلطة عادلة ومتقدمة، تتميز الإدارة فيها بالكفاءة وقلة التكلفة.
بدأ المسئول البريطاني المقيم في دار مساليت في الإشراف على تجربة (الحكم غير المباشر) على النمط الذي طبقه البريطانيون في نيجيريا. وعلى الرغم من أن السلطان محمد بحر الدين (أندوكا) كان محبوباً وسط شعبه، إلا أن الإدارة البريطانية كانت تراه ضعيفاً، وينقصه الحزم اللازم للسيطرة على أقاربه من الأمراء، الذين كانت الحكومة ترى أن من أكبر مهامها استبعادهم من إدارة شئون الحكم. كانت الحكومة قد ألغت نظام تخصيص (دار) يحكمها الأفراد المقربون من السلطان؛ كما قررت أن يكون جامعو الضرائب المحليون منتخبين؛ وأبقت فقط على التنظيمات القبلية والإدارية المركزية.
وبالرغم من عدم الاعتراف بالسلطات القضائية التي كان يمارسها (الأبونقا) و (الأمناء)، إلا أن تقارير الإدارة البريطانية في سنوات لاحقة أكدت على أن تلك الأنظمة استمرت في البقاء عملياً؛ حيث اتضح أنه لم يكن من الممكن الاستغناء عنهم تماما فيما يتعلق بجمع الضرائب. وكان قرار استبعاد (الأبونقا) و (الأمناء) يعني بالضرورة اللجوء إلى أنظمة الحكم المحلي التقليدية، والتي قوامها (الملوك) و(الفرشة)، والاعتراف بمكانتهم التقليدية - وإن كان بشكل فيه تحديد أكبر، وبعض التغيير الطفيف في مسئولياتهم وسلطاتهم. فلقد اعترفت الحكومة رسمياً بسلطتهم في تسوية المنازعات الصغرى، وفرض عقوبات على بعض المخالفات الصغيرة والجنح. وعلى الرغم من الإبقاء على هؤلاء المسئولين وإدماجهم في الإدارة المحلية، إلا أن ممثل الحكومة المقيم بدار مساليت كان يرى أن ذلك النظام التقليدي يكتنفه الكثير من الغموض والخلط بين سلطات (الدملج) و(الفرشة) و(الملك)، خاصة وأن الوحدات الإدارية كانت في مرحلة تحول من وحدات قبلية إلى وحدات جغرافية.
بالنسبة للسلطان، فقد تقلصت سلطاته بشكل كبير فيما يتعلق بالإدارة الداخلية، وفي الشئون الخارجية؛ كما تقلصت كذلك سلطاته القضائية. كان السلطان يحس بمرارة إزاء ذلك ، وهو لم ينخدع بالنواحي المظهرية للسلطة التي كانت توفرها له الحكومة، مثل حرس الشرف، أو ما يردده مسئولوها دائماً في خطبهم عن (الحكم غير المباشر). ولقد عبر عن حقيقة ما يحس به عندما قال في عام 1923م "إن الحكومة قد سرقت (داري) كما يسرق الرجل زوجة رجل آخر" !.
كانت الحكومة مدركة لأن وسيلة التغيير المنشود في دار مساليت ينبغي أن تكون أكثر قوة مما هي عليه. فهي إذا ما كانت تعتقد أنها أعطت السلطان سلطات كثيرة، إلا أنه كان واضحا - حتى لأجهل الناس - أن مجرد وجود الحامية الحكومية في الجنينة يعني عملياً انحسارا في مقام وهيبة السلطان. وإلى جانب تقلص مكانته وسلطته، فقد السلطان أيضاً جزءاً كبيراً من دخله؛ وأحد أسباب ذلك انخفاض قيمة (التوكاكي) (وهو نوع من الدمور المنسوج محلياً كان يستعمل كوسيلة للتبادل) نتيجة لبدأ التعامل بالنقد المسكوك، حيث أصبح من غير الممكن عملياً الشراء إلا بالنقد، وبالذات في مقاطعة الجنينة التي كانت سكن متلقي الأجور من الجنود والشرطة، والتجار الذين لحقوا بقطار الحكومة.
******************
Friday, August 20, 2010
تاريخ دار مساليت 1870 - 1910م
تاريخ سلطنة دارفور
عرض لكتاب "تاريخ سلطنة دارفور"
لمؤلفه بروفسور ر. س. أوفاهي (1)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
صدر في صيف عام(2008م) عن دار هيرست ( لندن) كتاب " تاريخ سلطنة دارفور" - باللغة الإنجليزية - لمؤلفه بروفسور ر. س. أوفاهي – أستاذ التاريخ بكلية دراسات الشرق الأوسط وإفريقيا بجامعة بيرقن بالنرويج.
يغطي الكتاب الفترة 1650 – 1916م ، وهو مؤسس على الكتاب السابق للمؤلف بعنوان " الدولة والمجتمع في دارفور " الذي صدر عام 1980م ، مع إضافة بعض البحوث العلمية التي قام بها المؤلف لاحقاً؛ وأيضاً (كما يذكر المؤلف) مع التوسع والتعديل في التفسيرات السابقة .
الطبيعة التاريخية والأكاديمية للكتاب تنأى به عن محور وأبعاد الأزمة الإنسانية المعاصرة في دارفور ، والتي أبرزت الإقليم إلى دائرة الضوء عالمياً ؛ وهو واحد من أفضل المراجع في موضوع تاريخ دارفور ، إذ أنه إضافة توثيقية ثرية لذلك التاريخ . أما لمن أراد استيعاب الخلفيات التاريخية التي تعين على فهم الصراع القائم حالياًً ، فالكتاب أيضاً يمثل مرجعاً لا غنى عنه ؛ إذ أنه يعكس معرفة لا تجارى وفهماً متعمقاً لتاريخ دارفور ؛ وهو ثمرة أربعين سنة من الأبحاث ، ظل المؤلف خلالها ينقب في ذلك التاريخ (منذ العام 1968م).
يذكر المؤلف أنه ينوي أن يلحق بهذا الكتاب مجلدين إضافيين ، أحدهما عن " دارفور والبريطانيين " كمرجع أولي مع مقدمة ؛ والثاني كمقالة تفسيرية عن " الدولة في تاريخ السودان " .
يغطي الكتاب الفترة 1650 – 1916م من تاريخ سلطنة دارفور ، ويبحث في تأثير القوى الخارجية على السلطنة ، مع التركيز بشكل أساسي على النخب الحاكمة في دارفور - بما فيها السلاطين ، ونساء البلاط ، ورجال الدين ، والتجار ، وغيرهم من الأفراد في مواقع السلطة .
يذكر المؤلف أن الكتاب سجل للتاريخ والثقافة في سلطنة دارفور بكل تنوعها وتعقيدها وثرائها ؛ أما دراسة التاريخ الاجتماعي ، والأجناس ، والبيئة ، والتاريخ المحلي ، فهي موضوعات ينبغي أن تشكل أجندة المستقبل . وقد شرعت جامعات دارفور الثلاث بالفعل في دراسة تلك الموضوعات.
لا أود في هذا المقال الموجز استعراض ما احتوى عليه هذا السفر التاريخي القيم، وأرجئ ذلك إلى مقالات قادمة بإذن الله ؛ وأكتفي الآن بملخص موجز يغطي فقط رؤوس أقلام لما اشتملت عليه فصول الكتاب .
يتناول الجزء الأول : الجغرافيا والتقسيمات الإثنية ؛ ويصف تكوينات دويلات الداجو وتنجر وكيرا ، وتوسع دولة كيرا ؛ وتأسيس الفاشر ؛ وضم كردفان ؛ وعلاقات دارفور الخارجية ؛ وعلاقاتها مع وداي ؛ وفقدان كردفان ؛ والحروب ضد الرحل .
في الجزء الثاني : وصف للسلطان - الفاشر - الطقوس السلطانية- تسلسل انتقال السلطة - النخبة -الأرض والامتيازات - السلطان والمواطنين - الحكومة والمجتمع (حدود سلطة الدولة - الحروب - الضرائب - القانون والعدالة - الإسلام والدولة والمجتمع - الفقرا والصوفية) – الحملات التجارية - أنماط التجارة – سلب الرقيق- كوبي ودرب الأربعين .
بينما يتناول الجزء الثالث : نهاية استقلال السلطنة ( معركة إخضاع دارفور 1873-1874م ؛ بداية المقاومة ؛ المهدية في دارفور ؛ استعادة السلطنة : علي دينار 1898 - 1916م ) .
ذكر المؤلف أن من أسباب توقفه في الكتابة عن تاريخ دارفور عند العام 1916م ، أن ذلك العام هو الذي أسدل فيه الستار نهائياً عن فترة استقلال دارفور كدولة دامت عدة قرون . والسبب الثاني الذي ذكره هو عدم جدوى تناول فترة الحكم البريطاني لدارفور (1916 – 1956م ) ، لا سيما بعد فقدان حوالي الستمائة ملف التي كانت محفوظة في الفاشر في سبعينيات القرن الماضي ( والتي كان هو المؤرخ الوحيد الذي اطلع عليها ونهل منها عندما كانت مكتملة ) . يصف المؤلف أن تلك الملفات احتوت على مادة ثرية ومدهشة ؛ غير أن اهتمامه عندما اطلع عليها عام 1970م كان منصباً على ما حوته عن الفترة التي سبقت فتح بريطانيا لدارفور .
يشير المؤلف بتحسر إلى الإهمال والتخريب المتعمد (أحيانا) الذي تعرضت له وثائق دارفور . وهو يشكر الحظ المجرد الذي هيأ له الفرصة في عام 1970م لتصوير أربعمائة وثيقة ذات صلة بالسلاطين والسلطنة ، يرجع تاريخها إلى الفترة 1700 – 1916م ؛ وذلك بفضل المساعدة المقدرة من الملك رحمة الله الدادنقاوي ، والذي كان وقتها رئيس المحكمة الأهلية بالفاشر .
وغير معلوم كم من تلك الوثائق الأصلية الأخرى (التي لم يطلع عليها) يكون قد أمكن إنقاذها في ظل المآسي الحالية . وهو يؤكد أن هناك جزءاً قد تمت إبادته عمداً ، ويأسف لأن أصبحت الوثائق جزءاً من الصراع .
المصادر
اعتمد المؤلف على مصادر عديدة ، من بينها مصادر شفوية ، ووثائق ومخطوطات عربية ، ومواد إرشيفية ، وأطروحات أكاديمية ، ودراسات لم تنشر ، وأدبيات الرحالة ، وأدبيات ثانوية أخرى . وهو يشيد بشكل خاص بالمادة المفيدة التي كتبها كل من المؤرخ السوداني محمد عبد لرحيم ، وآركل ، اللذين قاما بتسجيل التقاليد المركزية لسلطنة دارفور . وهو يثمن بشكل خاص الجهد المضني الذي بذله المؤرخ محمد عبد الرحيم ( والذي وصفه بصاحب العزيمة التي لا يصيبها الفتور والكلل ) ، ويشير إلى مخطوطه المفيد " الدر المنثور في تاريخ العرب والفور " .
يذكر المؤلف أنه سيودع صوراً أكبر عدد من الوثائق ( ما كتبه ، وما جمعه من مخطوطات نادرة قام بتصويرها) على شبكة المعلومات العالمية ؛ تحت الموقع
http://www.smi.uib.no/darfur/ ؛ وهو موقع يحتوي سلفاً على ثروة من الوثائق.
صلات المؤلف بدارفور والدارفوريين
امتدت الفترة النشطة لأبحاث بروفسور أوفاهي عن دارفور من 1966 – 1980م ، حيث ظل أثناءها يقوم بزيارات لدارفور تمتد ما بين شهرين أو ثلاثة في كل من الأعوام 1969 ، 1970 ، 1974 ، 1976 ، و 1977م . لكن اهتمام المؤلف بماضي وحاضر دارفور لم ينقطع ، حيث واصل كتابة المقالات عن تاريخها ، ونشر الوثائق التي سبق أن قام بتصويرها أثناء زياراته الميدانية لها .
تجددت صلة المؤلف بدارفور في أواخر عام 2004م عندما تمت دعوته لمؤتمر بالخرطوم عن أزمة دارفور نظمته جامعة السلام التابعة للأمم المتحدة . تبع ذلك توقيعه عقداً استشارياً مع بعثة الأمم المتحدة في السودان (UNMIS) . وسبق له أن شارك في عام 1996م في مفاوضات أبوجا كخبير لمنظمة الوحدة الإفريقية . وقام مؤخراً - كمستشار للبنك الدولي - بإعداد تقارير عن بعض الموضوعات ، مثل حكم القبائل ، وملكية الأرض في دارفور .
يحظى بروفسور أوفاهي باحترام واسع ومودة وسط الشباب الدارفوريين والزعماء التقليديين بدارفور ، الذين يرون فيه تمثيلاً لذاكرتهم التاريخية التراكمية. كما أنه إلى جانب هذا التقدير الشعبي يحظى بالتقدير الرسمي كذلك، حيث تم تكريمه في عام 1993م من قبل حكومة شمال دارفور ( في احتفال أقيم بمركز التراث الدارفوري بجامعة الفاشر عن أعماله الخاصة بتاريخ دارفور ؛ كما أقيم له احتفال رسمي بمبنى مجلس الشعب قاده والي الولاية). من الطريف أنه بعد ختام ذلك الاحتفال احتفل به أصدقاؤه الدارفوريون بطريقتهم الخاصة في زاوية الطريقة التيجانية ( والتي كان يقودها آنذاك الشاب النشط المرحوم إبراهيم سيدي – الذي درس بكولاك بالسنغال وكان يجيد اللغة الفرنسية ، والذي توفي عام 1999م ) ، حيث استقبلوه بجوقة من الصبيان كانوا ينشدون مدائح الطريقة التيجانية .. وهو يصف تلك اللحظات بأنها مثيرة للعواطف .
وتعبيراً عن التقدير المتبادل بينه وبين أصدقاءه الدارفوريين ذكر في مقدمة كتابه عن " تاريخ سلطنة دارفور" : أنه يهديه لقرائه - وللدارفوريين بشكل خاص - " كهدية من صديق في زمن عصيب" .
كذلك يعبر بروفيسور أوفاهي بإيجابية عن عراقة تاريخ دارفور ، وثقته في مستقبلها بهذه الكلمات :
" أرجو أن أكون قد بلغت شيئاً عن مكانة دارفور وزمانها وأهلها الذين هم أناس أصيلون، وأصحاب تاريخ وهوية ؛ وسوف ينالون مستقبلاً ذا شأن بإذن الله " .
*******
عرض لكتاب "تاريخ سلطنة دارفور"
لمؤلفه بروفسور ر. س. أوفاهي (2)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
*****
النخبة وهرمية السلطة في سلطنة دارفور
"أرجو أن أكون قد بلغت شيئاً عن مكانة دارفور وزمانها وأهلها الذين هم أناس أصيلون، وأصحاب تاريخ وهوية ؛ وسوف ينالون مستقبلاً ذا شأن بإذن الله " ) .بروفسور ر. س. أوفاهي)
أقدم فيما يلي تلخيصا لما ورد في الفصل الذي يتناول فيه المؤلف بالتعريف والشرح والتحليل وضع النخبة في سلطنة دارفور :
المقدوم
شعر سلاطين القرن التاسع عشر في سلطنة دارفور بالحاجة إلى مفوضين متجولين يضطلعون بالإشراف على وحدات إدارية أكبر من المديريات (التي كانت معروفة آنذاك). ومن ثم كان تعيين المقدومين ( مفردها مقدوم) . ولقد أصبح بعض هؤلاء جزءاً من نظام السلطنة المؤسسي، لدرجة أن أصبح لقب "المقدوم" متوارثاً . غير أنه بعد استعادة السلطنة، رأى السلطان علي دينار ضرورة زيادة فعالية النظام الإداري، فلجأ إلى تعيين مناديب بدلاً من المقدومين.
لمؤلفه بروفسور ر. س. أوفاهي (1)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
صدر في صيف عام(2008م) عن دار هيرست ( لندن) كتاب " تاريخ سلطنة دارفور" - باللغة الإنجليزية - لمؤلفه بروفسور ر. س. أوفاهي – أستاذ التاريخ بكلية دراسات الشرق الأوسط وإفريقيا بجامعة بيرقن بالنرويج.
يغطي الكتاب الفترة 1650 – 1916م ، وهو مؤسس على الكتاب السابق للمؤلف بعنوان " الدولة والمجتمع في دارفور " الذي صدر عام 1980م ، مع إضافة بعض البحوث العلمية التي قام بها المؤلف لاحقاً؛ وأيضاً (كما يذكر المؤلف) مع التوسع والتعديل في التفسيرات السابقة .
الطبيعة التاريخية والأكاديمية للكتاب تنأى به عن محور وأبعاد الأزمة الإنسانية المعاصرة في دارفور ، والتي أبرزت الإقليم إلى دائرة الضوء عالمياً ؛ وهو واحد من أفضل المراجع في موضوع تاريخ دارفور ، إذ أنه إضافة توثيقية ثرية لذلك التاريخ . أما لمن أراد استيعاب الخلفيات التاريخية التي تعين على فهم الصراع القائم حالياًً ، فالكتاب أيضاً يمثل مرجعاً لا غنى عنه ؛ إذ أنه يعكس معرفة لا تجارى وفهماً متعمقاً لتاريخ دارفور ؛ وهو ثمرة أربعين سنة من الأبحاث ، ظل المؤلف خلالها ينقب في ذلك التاريخ (منذ العام 1968م).
يذكر المؤلف أنه ينوي أن يلحق بهذا الكتاب مجلدين إضافيين ، أحدهما عن " دارفور والبريطانيين " كمرجع أولي مع مقدمة ؛ والثاني كمقالة تفسيرية عن " الدولة في تاريخ السودان " .
يغطي الكتاب الفترة 1650 – 1916م من تاريخ سلطنة دارفور ، ويبحث في تأثير القوى الخارجية على السلطنة ، مع التركيز بشكل أساسي على النخب الحاكمة في دارفور - بما فيها السلاطين ، ونساء البلاط ، ورجال الدين ، والتجار ، وغيرهم من الأفراد في مواقع السلطة .
يذكر المؤلف أن الكتاب سجل للتاريخ والثقافة في سلطنة دارفور بكل تنوعها وتعقيدها وثرائها ؛ أما دراسة التاريخ الاجتماعي ، والأجناس ، والبيئة ، والتاريخ المحلي ، فهي موضوعات ينبغي أن تشكل أجندة المستقبل . وقد شرعت جامعات دارفور الثلاث بالفعل في دراسة تلك الموضوعات.
لا أود في هذا المقال الموجز استعراض ما احتوى عليه هذا السفر التاريخي القيم، وأرجئ ذلك إلى مقالات قادمة بإذن الله ؛ وأكتفي الآن بملخص موجز يغطي فقط رؤوس أقلام لما اشتملت عليه فصول الكتاب .
يتناول الجزء الأول : الجغرافيا والتقسيمات الإثنية ؛ ويصف تكوينات دويلات الداجو وتنجر وكيرا ، وتوسع دولة كيرا ؛ وتأسيس الفاشر ؛ وضم كردفان ؛ وعلاقات دارفور الخارجية ؛ وعلاقاتها مع وداي ؛ وفقدان كردفان ؛ والحروب ضد الرحل .
في الجزء الثاني : وصف للسلطان - الفاشر - الطقوس السلطانية- تسلسل انتقال السلطة - النخبة -الأرض والامتيازات - السلطان والمواطنين - الحكومة والمجتمع (حدود سلطة الدولة - الحروب - الضرائب - القانون والعدالة - الإسلام والدولة والمجتمع - الفقرا والصوفية) – الحملات التجارية - أنماط التجارة – سلب الرقيق- كوبي ودرب الأربعين .
بينما يتناول الجزء الثالث : نهاية استقلال السلطنة ( معركة إخضاع دارفور 1873-1874م ؛ بداية المقاومة ؛ المهدية في دارفور ؛ استعادة السلطنة : علي دينار 1898 - 1916م ) .
ذكر المؤلف أن من أسباب توقفه في الكتابة عن تاريخ دارفور عند العام 1916م ، أن ذلك العام هو الذي أسدل فيه الستار نهائياً عن فترة استقلال دارفور كدولة دامت عدة قرون . والسبب الثاني الذي ذكره هو عدم جدوى تناول فترة الحكم البريطاني لدارفور (1916 – 1956م ) ، لا سيما بعد فقدان حوالي الستمائة ملف التي كانت محفوظة في الفاشر في سبعينيات القرن الماضي ( والتي كان هو المؤرخ الوحيد الذي اطلع عليها ونهل منها عندما كانت مكتملة ) . يصف المؤلف أن تلك الملفات احتوت على مادة ثرية ومدهشة ؛ غير أن اهتمامه عندما اطلع عليها عام 1970م كان منصباً على ما حوته عن الفترة التي سبقت فتح بريطانيا لدارفور .
يشير المؤلف بتحسر إلى الإهمال والتخريب المتعمد (أحيانا) الذي تعرضت له وثائق دارفور . وهو يشكر الحظ المجرد الذي هيأ له الفرصة في عام 1970م لتصوير أربعمائة وثيقة ذات صلة بالسلاطين والسلطنة ، يرجع تاريخها إلى الفترة 1700 – 1916م ؛ وذلك بفضل المساعدة المقدرة من الملك رحمة الله الدادنقاوي ، والذي كان وقتها رئيس المحكمة الأهلية بالفاشر .
وغير معلوم كم من تلك الوثائق الأصلية الأخرى (التي لم يطلع عليها) يكون قد أمكن إنقاذها في ظل المآسي الحالية . وهو يؤكد أن هناك جزءاً قد تمت إبادته عمداً ، ويأسف لأن أصبحت الوثائق جزءاً من الصراع .
المصادر
اعتمد المؤلف على مصادر عديدة ، من بينها مصادر شفوية ، ووثائق ومخطوطات عربية ، ومواد إرشيفية ، وأطروحات أكاديمية ، ودراسات لم تنشر ، وأدبيات الرحالة ، وأدبيات ثانوية أخرى . وهو يشيد بشكل خاص بالمادة المفيدة التي كتبها كل من المؤرخ السوداني محمد عبد لرحيم ، وآركل ، اللذين قاما بتسجيل التقاليد المركزية لسلطنة دارفور . وهو يثمن بشكل خاص الجهد المضني الذي بذله المؤرخ محمد عبد الرحيم ( والذي وصفه بصاحب العزيمة التي لا يصيبها الفتور والكلل ) ، ويشير إلى مخطوطه المفيد " الدر المنثور في تاريخ العرب والفور " .
يذكر المؤلف أنه سيودع صوراً أكبر عدد من الوثائق ( ما كتبه ، وما جمعه من مخطوطات نادرة قام بتصويرها) على شبكة المعلومات العالمية ؛ تحت الموقع
http://www.smi.uib.no/darfur/ ؛ وهو موقع يحتوي سلفاً على ثروة من الوثائق.
صلات المؤلف بدارفور والدارفوريين
امتدت الفترة النشطة لأبحاث بروفسور أوفاهي عن دارفور من 1966 – 1980م ، حيث ظل أثناءها يقوم بزيارات لدارفور تمتد ما بين شهرين أو ثلاثة في كل من الأعوام 1969 ، 1970 ، 1974 ، 1976 ، و 1977م . لكن اهتمام المؤلف بماضي وحاضر دارفور لم ينقطع ، حيث واصل كتابة المقالات عن تاريخها ، ونشر الوثائق التي سبق أن قام بتصويرها أثناء زياراته الميدانية لها .
تجددت صلة المؤلف بدارفور في أواخر عام 2004م عندما تمت دعوته لمؤتمر بالخرطوم عن أزمة دارفور نظمته جامعة السلام التابعة للأمم المتحدة . تبع ذلك توقيعه عقداً استشارياً مع بعثة الأمم المتحدة في السودان (UNMIS) . وسبق له أن شارك في عام 1996م في مفاوضات أبوجا كخبير لمنظمة الوحدة الإفريقية . وقام مؤخراً - كمستشار للبنك الدولي - بإعداد تقارير عن بعض الموضوعات ، مثل حكم القبائل ، وملكية الأرض في دارفور .
يحظى بروفسور أوفاهي باحترام واسع ومودة وسط الشباب الدارفوريين والزعماء التقليديين بدارفور ، الذين يرون فيه تمثيلاً لذاكرتهم التاريخية التراكمية. كما أنه إلى جانب هذا التقدير الشعبي يحظى بالتقدير الرسمي كذلك، حيث تم تكريمه في عام 1993م من قبل حكومة شمال دارفور ( في احتفال أقيم بمركز التراث الدارفوري بجامعة الفاشر عن أعماله الخاصة بتاريخ دارفور ؛ كما أقيم له احتفال رسمي بمبنى مجلس الشعب قاده والي الولاية). من الطريف أنه بعد ختام ذلك الاحتفال احتفل به أصدقاؤه الدارفوريون بطريقتهم الخاصة في زاوية الطريقة التيجانية ( والتي كان يقودها آنذاك الشاب النشط المرحوم إبراهيم سيدي – الذي درس بكولاك بالسنغال وكان يجيد اللغة الفرنسية ، والذي توفي عام 1999م ) ، حيث استقبلوه بجوقة من الصبيان كانوا ينشدون مدائح الطريقة التيجانية .. وهو يصف تلك اللحظات بأنها مثيرة للعواطف .
وتعبيراً عن التقدير المتبادل بينه وبين أصدقاءه الدارفوريين ذكر في مقدمة كتابه عن " تاريخ سلطنة دارفور" : أنه يهديه لقرائه - وللدارفوريين بشكل خاص - " كهدية من صديق في زمن عصيب" .
كذلك يعبر بروفيسور أوفاهي بإيجابية عن عراقة تاريخ دارفور ، وثقته في مستقبلها بهذه الكلمات :
" أرجو أن أكون قد بلغت شيئاً عن مكانة دارفور وزمانها وأهلها الذين هم أناس أصيلون، وأصحاب تاريخ وهوية ؛ وسوف ينالون مستقبلاً ذا شأن بإذن الله " .
*******
عرض لكتاب "تاريخ سلطنة دارفور"
لمؤلفه بروفسور ر. س. أوفاهي (2)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
*****
النخبة وهرمية السلطة في سلطنة دارفور
"أرجو أن أكون قد بلغت شيئاً عن مكانة دارفور وزمانها وأهلها الذين هم أناس أصيلون، وأصحاب تاريخ وهوية ؛ وسوف ينالون مستقبلاً ذا شأن بإذن الله " ) .بروفسور ر. س. أوفاهي)
أقدم فيما يلي تلخيصا لما ورد في الفصل الذي يتناول فيه المؤلف بالتعريف والشرح والتحليل وضع النخبة في سلطنة دارفور :
المقدوم
شعر سلاطين القرن التاسع عشر في سلطنة دارفور بالحاجة إلى مفوضين متجولين يضطلعون بالإشراف على وحدات إدارية أكبر من المديريات (التي كانت معروفة آنذاك). ومن ثم كان تعيين المقدومين ( مفردها مقدوم) . ولقد أصبح بعض هؤلاء جزءاً من نظام السلطنة المؤسسي، لدرجة أن أصبح لقب "المقدوم" متوارثاً . غير أنه بعد استعادة السلطنة، رأى السلطان علي دينار ضرورة زيادة فعالية النظام الإداري، فلجأ إلى تعيين مناديب بدلاً من المقدومين.
نساء البلاط السلطاني
كان للنساء دور بارز في بلاط السلطان - سواء كن ميارم (مفردها ميرم) - وهن الأميرات الشابات - أو الحبوبات . وقد كانت الحرية والسلطة التي تتمتع بها نساء البلاط بشكل خاص (والنساء عموماً داخل السلطنة) مثار دهشة الزوار المسلمين. وربما تكون تلك الوضعية المتميزة لنساء البلاط مستمدة من ثقافة الفور السابقة للإسلام، والتي تم إدماجها في بلاط آخذ في الأسلمة بصورة متزايدة. لذلك فإن بعض أنماط السلوك التي قد تكون عادية في قرى الفور تصبح أكثر ملاحظة في البلاط السلطاني. غير أن تلك الحرية الاجتماعية كانت على توافق مع المحافظة على تعاليم الدين. ومثل ما هو عليه الحال في المناطق الريفية كانت النساء هن اللاتي يحافظن على المعتقدات والأعراف التقليدية.
من ألقاب الأميرات
- إيا كوري وهو اللقب الذي يشار به إلى الوالدة ذات النفوذ ، والسيدة الأولى من بين زوجات السلطان.
- إيا باسي وهو لقب الأميرة الأم – الشقيقة الأثيرة للسلطان .
- الحبوبة وهو لقب الملكة الأم .
ومن حيث النفوذ السياسي فإن إيا باسي هي ذات التأثير الأكبر ، والارتباط الأكثر بالسلطان من حيث المشاركة في الحكم وفي المصير أيضاً ؛ فلقد تم إعدام الأميرة زمزم عندما أعدم شقيقها أبو القاسم. وفي فترة لاحقة نجد أن الأميرة تاجا قد اضطلعت بدور بارز في تشجيع وحفز السلطان علي دينار على محاربة الإنجليز.
كذلك كانت الأميرة(إيا باسي) زمزم هي الشخصية المتنفذة في السنوات الأخيرة من فترة حكم شقيقها السلطان محمود الحسين ، بل مكنتها الظروف من أن تصبح الحاكم الفعلي للسلطنة. في عام 1856م (وكان شقيقها السلطان قد فقد نظره)، طافت الأميرة زمزم أرجاء السلطنة وهي تقود رجالها المسلحين، حتى نجحت في أن تحصل من السلطان الواهن على الحواكير التي كانت ترغب فيها. وقد كانت الأميرة زمزم – كغيرها من نساء البلاط – فارسة تجيد ركوب الخيل. وكانت تصدر المراسيم باسمها . ولأنها لم تكن راضية عن التأثير المتنامي للفقيه محمد البلالاوي على شقيقها السلطان - والذي أوهنه المرض - ، فقد تضامنت مع الوزير أحمد شطة للتخلص من ذلك الفقيه ، وإبعاده من دارفور ، وذلك رغم اعتراض السلطان. عند وفاة السلطان امتنعت الأميرة زمزم عن تناول الطعام حتى قضت جوعاً.
الألقاب والمناصب
كانت هناك أشكال معقدة من الألقاب والمناصب تخصص لأفراد العائلة المالكة رجالاً ونساءً ، ولأسر الزعماء ، ولأمراء الحرب ، ولحكام المديريات ، ولخبراء الطقوس ، ولحراس الامتيازات السلطانية والصولجان.
النخبة غير الرسمية
شهد بلاط السلطان في دارفور نشوء نخبة غير رسمية ذات مشارب متنوعة ، وذلك بشكل مختلف عن ما كان مألوفاً في الممالك السودانية (Sudanic Kingdoms)؛ ولعل السبب وراء ذلك هو توظيف مجموعات، ونشوء ظروف جديدة فرضت نفسها على مؤسسة الحكم تجاوباً مع الحاجات والمواقف الجديدة . وقد أدت إستراتيجية الزواج من العائلة المالكة بشكل متزايد إلى إدماج نخب من القبائل والقادة الإقليميين في المركز.
طبقة الكتاب
أدت الحاجة إلى بيروقراطية من المتعلمين ، إلى نشوء طبقة من الكتبة (Scribes)؛ كما أدى التوسع العسكري إلى أن يحل جباة محترفون محل من كانوا يقومون بجباية الضرائب من القبائل بالطرق التقليدية .
التجار
واحدة من فئات النخبة التي يشوبها قدر من الغموض هي فئة التجار؛ وذلك بسبب أن الجزء الأعظم من أنشطتهم - وكذلك أموالهم -، كانت خارج السلطنة.
المحاربون المحترفون
كانت دارفور في بداية القرن التاسع عشر إمبراطورية ممتدة حتى النيل. كما كانت تمتلك ثروات هائلة، وتدير تجارة مزدهرة مع مصر. وقد جذب ذلك الثراء والازدهار أنواعاً من المغامرين - من بينهم المرتزقة. وكان وجود أمثال هؤلاء المحاربين المحترفين المتزودين بتقاليد الفروسية أمراً مألوفاً في إفريقيا السودانية (Sudanic Africa).
طبقة الأرقاء تحتل مواقع مؤثرة
في بداية القرن التاسع عشر بدأ يسيطر على النخبة في البلاط ثلاثة عناصر ، ألا وهي: المنحدرون من طبقة الأرقاء، و(الفقرا)، والتجار.
كان توظيف الأرقاء أمراً مألوفاً في الدول الإسلامية، وذلك حيث أنه يخلق توازناً مع أرستقراطية النبلاء بالوراثة أو نبلاء الأقاليم؛ ولم تكن دارفور استثناء من ذلك. فلقد عمل المنحدرون من طبقة الأرقاء داخل مجمع البلاط السلطاني كحراس وكإداريين؛ بل كان الكثيرون منهم مقربين من السلاطين. كما عملت الإماء كمحظيات؛ وكانت المنطقة المخصصة للحريم يديرها أرقاء من الخصيان . وكان الأرقاء العاملون في البلاط منظمين وفقاً لتسلسل معقد من المجموعات والألقاب. ونبع اهتمام السلاطين بالأفراد الموهوبين من طبقة الأرقاءً من كونهم طيعين أكثر من النبلاء بالوراثة. ولسلاطين كيرا أسبابهم في توخي الحذر، إذ أن اثنين من السلاطين لقوا مصرعهم على أيدي أفراد من أرستقراطية النبلاء.
(الفقرا) - رجال الدين والعلماء
بينما تمتع الأرقاء بذلك الوضع المميز بقربهم من مواقع السلطة المؤثرة، كان (الفقرا) والتجار في وضع أقل مكانة في البلاط. كان يتم تعيين بعض (الفقرا) كقضاة، وتعيين بعضهم الآخر في وظائف متنوعة في بلاط السلطان - مثل تعليم أبناء السلاطين والزعماء، أو العمل كمستشارين قانونيين، أو القيام بأعمال السكرتارية، أو أعمال الوساطة عند حلول الأزمات السياسية.
دائماً كانت توجد حدود لنفوذ (الفقرا). فلقد أحاط السلطان الفقيه الورع محمد الحسين نفسه بعدد من العلماء والمتصوفة، من بينهم محمد بن المختار الشنقيطي (توفي 1881م)، وهو من متصوفة موريتانيا، وينتمي إلى الطريقة التيجانية. وهو الذي قاد السلطان إلى إتباع الطريقة التيجانية، والتي أصبحت منذ ذلك الوقت الطريقة الرئيسية في دارفور. وقد عمل محمد بن المختار أيضاً سفيراً للسلطان في مصر. ومن العلماء المتصوفة أيضاً كان هناك أحمد الدرديري، وهو من عائلة رجال الدين الدواليب بخرسي في كردفان، الذين أصبحوا لاحقاً من أتباع الطريقة التيجانية .
رغم المكانة البارزة (للفقرا) في بلاط السلطان في القرن الثامن عشر، خاصة وأن الكثيرين منهم قد تزوجوا من نساء كيرا، إلا أنهم كانوا دائما في وضع المرؤوسين؛ وذلك لأنه ليست لديهم السلطة التي يتمتع بها الأعيان، ولا الأموال التي يتمتع بها التجار. ويلاحظ أن هناك اختلافاً وتناقضاً واضحا بين تلك المكانة المتواضعة (للفقرا) في بلاط السلطان وبين مكانة نظرائهم في المناطق الريفية من السلطنة، الذين كان نفوذهم يشع من مساجدهم ومناطق استقرارهم حولها. وهو نفوذ مستمد ليس فقط من الرعاية السلطانية، بل من الخدمات المتنوعة التي يؤدونها لمجتمعاتهم، وهي خدمات روحية وتعليمية، وخدمات ذات صلة بالسحر والطب العلاجي.
المؤسسة الدينية والمؤسسة السياسية
إن خضوع المؤسسة الدينية للمؤسسة السياسية هو الأمر السائد في العالم الإسلامي. فقط في أوقات الأزمات والتقلبات السياسية تتمكن القيادة الدينية من لعب دور مستقل. بالمثل كان خضوع التجار للمؤسسة السياسية. غير أنه – تماماً مثل ما كان (الفقرا) في سلطنة دارفور أكثر استقلالية من علماء القاهرة أو بغداد، لأنهم كانوا يعيشون في بيئة تضعهم في المقدمة، ولأنهم يعملون في عالم صوفي؛ كان وضع التجار ضمن النخبة أكثر بروزاً، وذلك بسبب تركيبة الشبكات التجارية التي ساعدت في إكسابهم استقلالية أكبر.
التجارة
من الموضوعات ذات الصلة بمكانة التجار وسط النخبة أن فترة أوج ازدهار التجارة بين دارفور ومصر (1750 – 1860م) كانت عنصراً أساسيا من العناصر التي أدت إلى نشوء مركزية السلطة في سلطنة دارفور. كان اهتمام السلاطين الرئيسي متركزاً في جني الأرباح من تلك التجارة، وليس بالضرورة إدارة الجوانب المرتبطة بها. غير أنه نظراً لأن تنظيم قافلة كبيرة متكونة من آلاف عديدة من الجمال أمر يحتاج إلى موارد ضخمة؛ ولأن استقبال القافلة في مصر كان عملاً لصيقاً بالعمل الدبلوماسي، فقد كانت التجارة والسياسة مرتبطتين برباط وثيق. وطوال تلك الفترة التي شهدت ازدهار التجارة كان السلاطين يتاجرون لحسابهم الخاص بواسطة تجار من العائلة المالكة وخدم تابعين لهم. كان هؤلاء التجار، سواء وكلاء أو أقارب للسلطان أو تجار يقومون بدور الوكلاء، يستخدمون أرباح السلع المباعة في مصر لصالح تجارة السلطان، وكانوا يتمتعون بوضع دبلوماسي.
أوضاع النخبة داخل بلاط السلطان
كانت الحركة التي تكيف أوضاع النخبة داخل بلاط السلطان بعيدة من الهرمية ذات التركيبة الرسمية ، من نوع تلك التي سادت في الدويلات السودانية. فالنخبة في سلطنة دارفور أقرب ما تكون إلى نخبة فضفاضة قوامها مجموعات المصالح التي تعمل في إطار متنامي البيروقراطية، وهم من المتعلمين؛ وهي بذلك أكثر من كونها تركيبة مستندة على صلات القرابة.
مثل العديد من أوجه تاريخ سلطنة دارفور، فقد انقطع بشكل مفاجئ التطور الطبيعي للسلطنة في العام 1874م - وإن تم استئناف السلطنة في عام 1898م. وكان ذلك الانقطاع واحداً من أعراض إعادة الصياغة الجوهرية للدولة التي تشكلت في القرن التاسع عشر. ومن جوانب تلك الصياغة الجديدة نمو نظام إقطاع الأراضي، وتعيين المقدومين أو المفوضين للإشراف على الرؤساء المحليين في الأقاليم، ونشوء بيروقراطية متنامية التعليم ونظام قضائي. إن وصف هذا التطور بالإسلامي يعني تجاهل الحقائق الاقتصادية والسياسية التي قادت إليه؛ لقد عبر الإسلام عن تلك التغيرات بوضوح لكنه لم يرسبها ويعجل من حدوثها.
المناسبات الوحيدة التي يمكن فيها مشاهدة أدوار سياسية تلعبها النخبة هي مناسبات الأزمات المصاحبة لانتقال الحكم؛ حين يتحول البلاط إلى ساحة يقتتل فيها الناس ويموتون من أجل مصالح قبلية أو فئوية. لم يكن الموت يأتي للخاسرين فقط من المنتصرين، حيث أنه في ذلك المجتمع المسلم ( وللغرابة) كان الانتحار أمراً مألوفاً بين النخبة. ومن أمثلة ذلك الوزير/ علي بن جامي، والمقدوم/ عبد السيد، والوزير/ عبد الباري، والإية باسي/ زمزم؛ جميع هؤلاء أنهوا حياتهم بأنفسهم إثر الفشل السياسي أو العسكري.
********
عرض لكتاب "تاريخ سلطنة دارفور"
لمؤلفه بروفسور ر. س. أوفاهي (3)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
نهاية استقلال سلطنة دارفور (1)
- تنامي قوة الزبير باشا وسيطرته على بحر الغزال
- دعم الخديوي إسماعيل للزبير
- محاولة كسب مساندة الرزيقات لضمان المرور الآمن لدارفور
في الجزء الثالث من الكتاب وتحت عنوان (نهاية الاستقلال) يلقي الكاتب الضوء على بعض الجوانب الهامة والتفاصيل المرتبطة بغزو دارفور (1873 – 1874م)؛ معلقاً أن غزو دارفور في عام 1874م من قبل الزبير باشا لم يكن فقط بداية النهاية لوجود سلطنة دارفور كدولة مستقلة ذات تاريخ متصل منذ القرن السادس عشر، بل كان أيضاً نقطة تحول في تاريخ السودان الحديث.
فعلى الرغم من المقاومة البطولية لحكام (كيرا) خلال سبعينات وثمانينات القرن التاسع عشر، ورغم أن آخر سلاطينها- علي دينار بن زكريا قد تمكن رسمياً من استعادة السلطنة في الفترة ما بين أعوام 1898-1916م، إلا أن دارفور بعد عام 1874م ظلت في نظر من حكموها من مصريين ومهدوين وبريطانيين وحتى اليوم جزءاً من السودان بكل ما يعنيه ذلك. إن فكرة دارفور ككيان منفصل- دعك عن استقلالها- لم تدخل الساحة الدولية حتى مفاوضات أبوجا التي جرت تحت رعاية الاتحاد الإفريقي في عام 2004م.
يتناول المؤلف خلفية المناخ التاريخي والإقليمي الذي نشأ تحت ظله الزبير باشا، واصفاً الزبير على أنه نتاج التوسع الاستعماري السائد في حينها، والمستفيد من التكنولوجيا الحديثة آنذاك المتمثلة في السفن والبنادق. فلقد بدأت في منتصف خمسينات القرن التاسع عشر موجة من المغامرين الأوربيين والمصريين والشرقيين والسودانيين الذين استخدموا السفن للتحرك عبر روافد الأنهار إلى غرب بحر الغزال ليكونوا شبكات من (الزرائب) أو (الكبانيات)، وجيوش من الأرقاء بهدف استغلال أهم موردين في الإقليم، ألا وهما البشر والأفيال. وكان وراء كل هذا النظام رجل واحد هو الزبير رحمة المنصور.
يذكر الكاتب أن الزبير رجل ذو تصميم عظيم ومقدرة؛ فمنذ مجيئه إلى بحر الغزال سرعانما أسس امبراطورية تجارية قائمة تنظيميا على (الكبانيات)- أي الشركات التجارية-، وجغرافياً على شبكة من المعسكرات المسلحة (الزرائب)، قوامها فرق من (الأرقاء) المسلحين بالسلاح الناري. كانت التجارة الرئيسية هي العاج، وكذلك (الرقيق) للاستعمال الداخلي كجنود، وكعمال يقومون بزراعة الغذاء للمعسكرات؛ كذلك كان يتم تصديرهم للشمال.
بحلول عام 1865م كان الزبير مسيطراً على كامل بحر الغزال، وذلك بعد قتله لجميع منافسيه أو استيعابهم. لكن مع نمو امبراطوريته دخل في نزاع مع الخديوي اسماعيل؛ فلقد أغلقت إجراءات مكافحة الرق المنافذ عبر النيل الأبيض، مما جعل المنافذ البرية إلى الشمال ضرورية. كانت هذه المنافذ تمر عبر مناطق قبائل البقارة، وهي الأراضي الواقعة بين سلطنة دارفور والمناطق التي هي تحت سيطرة الزبير. وقد عقد الزبير اتفاقية مع الرزيقات في مارس 1866م أساسها هو قيامه بدفع رسوم للقبيلة مقابل توفير الحماية والمرور الآمن عبر أراضيهم (وهذه الاتفاقية هي التي أدت بشكل غير مباشر إلى سقوط سلطنة دارفور).
هذا التقنين للشبكات التجارية في المنطقة سدد ضربة كبيرة للقواعد التجارية لسلطنة دارفور. فلقد أصبح الزبير الآن مسيطراً على الخلفية الاقتصادية للسلطنة، وكذلك على منافذ الدخول إليها والخروج منها. وفي عام 1873م انهارت اتفاقية الزبير مع الرزيقات، إذ تمت مهاجمة إحدى قوافله وقتل عدد من أقاربه. وقبل الثأر لتلك الهزيمة، كتب الزبير خمس رسائل للسلطان ما بين يونيو 1873م واغسطس 1874م ؛ وكان هدفه من وراء تلك الرسائل هو تبرير أعماله. في البداية خاطب الزبير السلطان باحترام باسم "خادم الخديوي" (نحن عبيد أفندينا)، الذي كان مستغرقاً في غزو بلاد الفرتيت. ذكر الزبير للسلطان أن مقاصد الدولة المصرية شريفة، وأنه يخاطبه درءاً للفتن بين الدولتين. كذلك ذكّر الزبير السلطان إبراهيم قرض بالعلاقات الطيبة التي كانت قائمة بين والده والخديوي. ركز الزبير في تلك الرسائل على التأكيد على أنه خادم مخلص لحاكم مصر؛ لكنه في نفس الوقت كان يقر بأن دارفور دولة (الدولة الدارفورية).
كانت لهجة رسالة الزبير الثالثة للسلطان أكثر حدة، احتج فيها على عدم قيام السلطان بالرد على رسالتيه السابقتين. كما ذكر في تلك الرسالة أنه عباسي وهاشمي، ولا يقبل التهديد والإساءة؛ وختمها بنصح السلطان بالتسليم للخديوي. بعد شهر من ذلك قام الخديوي بتعيين الزبير مديراً للشاكة وبحر الغزال، ومنحه لقب بك. ربما كان الهدف من وراء ذلك هو تقديم السند له في محاولته هزيمة السلطان، وأيضاً تزويده بالشرعية اللازمة.
غزو السلطنة
استغرق غزو السلطنة فترة عام تقريباً؛ فالمسافة بين الشاكة والفاشر أكثر من 400 كيلومتر؛ كما أن صعوبات الإمداد كانت تحول دون أي حملة سريعة. ولقد عكست الغزوة إجادة الزبير لهذا النوع من الحروب، وكذلك كشفت عن عدم كفاية التنظيم العسكري لسلطنة دارفور.
كانت القوى المتحاربة تفتقر إلى الندية. فمن ناحية كان الزبير قد تمكن خلال ما يقارب العشرين سنة (1856-1873م) من المعارك الصعبة، من تاسيس جيش غير نظامي لا يجارى قوامه قوات الرقيق ، المعروفين بـ (البازنقر) ومؤخراً باسم الجهدية، والذين تم تجنيد معظمهم من قبائل بحر الغزال وما وراءها، وبشكل خاص من قبيلة الزاندي. وكان للعديد من الضباط، مثل النور محمد عنقرة، من الذين خدموا ضمن القوات المصرية، تجارب قتالية. وكان من بين ضباط جيش الزبير عدد من الذين أصبحوا لاحقاً من جنرالات المهدية المشهورين، منهم حمدان أبو عنجة- النور عنقرة- الزاكي طمل- عبد الرحمن النجومي؛ وضابط آخر كان له سجل زاخر في الحروب أكثر من قائده نفسه، ألا وهو رابح فضل الله.
من الناحية الأخرى لم يكن لسلطنة دارفور ما يمكنها من التجاوب مع هذا المستوى من التجربة والممارسة؛ فلقد توقفت السلطنة منذ زمن من السعي لأن تكون قوة توسعية. وجاءت محاولات أحمد شطة والآخرين لتأسيس وحدات عسكرية جديدة مماثلة لقوت (البازنقر) متأخرة جداً. رغم ذلك فقد كانت السلطنة هي من تحرك أولاً، حيث تقدم أحمد شطة بصحبة (صاحب النحاس) سعد النور إبراهيم رماد في دار الرزيقات، وتمكن في ديسمبر 1873م من هزيمة فصيل من قوات الزبير تحت قيادة النور عنقرة. غير أن أحمد شطة- رغم هذا النجاح- رأى أن يكتب خطاباً هادئاً للزبير فيما يبدو أنه محاولة لبدأ مفاوضات معه. لكن أخيراً بتوجيه من السلطان، وضغط من رجاله، هاجم (المقدوم) أحمد شطة الزبير في منطقة ما بين الشاكة ودارة في يناير أو فبراير 1874م؛ غير أنه قتل في المعركة التالية هو وسعد النور، و(المقدوم) عبد الله رنجة، و (الأمين) عبد الباري.
*************
عرض لكتاب "تاريخ سلطنة دارفور"
لمؤلفه بروفسور ر. س. أوفاهي (4)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
- المقاومة الدارفورية
- طلب السلطان إبراهيم قرض السند من الدولة العثمانية
- رسائل الزبير باشا للـ (علماء) في دارفور
- معركة منواشي ومقتل السلطان
-------------
مقدمة
في هذا الجزء من العرض أواصل تقديم ما ورد في كتاب بروفيسور أوفاهي تحت عنوان (نهاية الاستقلال) ، والذي ألقى فيه الكاتب الضوء على بعض الجوانب الهامة والتفاصيل المرتبطة بغزو دارفور (1873 – 1874م)؛ معلقاً بأن غزو دارفور في عام 1874م من قبل الزبير باشا لم يكن فقط بداية النهاية لوجود سلطنة دارفور كدولة مستقلة ذات تاريخ متصل منذ القرن السادس عشر، بل كان أيضاً نقطة تحول في تاريخ السودان الحديث.
احتل الزبير (دارة) في 23 ذي الحجة 1290 هـ، الموافق 11 قبراير 1874م. كانت مع أحمد شطة قوات قليلة نسبياً، هم من فرق (الأرقاء) التي كانت لدي السلطنة، والتي كانت مسلحة ببنادق الرمنقتون؛ بينما بدأ الزبير في جلب تعزيزات معتبرة من (زرائبه) في بحر الغزال حتى بلغ عدد جنوده 7.000 من الرجال المزودين بالسلاح الناري، كما بدأت السلطات التركية المصرية في التحرك.
كانت كل من الخرطوم والقاهرة متابعة لتقدم الزبير بقدر من الانزعاج، وشرعا في اتخاذ إجراءات بهدف إيقاف تقدمه، أو على الأقل سلبه من مكاسبه. في فبراير 1874م أعلن الخديوي إسماعيل الحرب على سلطنة دارفور، وكان الغطاء المبرر لذلك هو "عدوان السلطان، وتصميم الخديوي على إنهاء تجارة الرقيق" ؛ وهي أسباب لا بد أنها بدت للسلطان غريبة. صدرت الأوامر للحاكم العام إسماعيل أيوب باشا بأن يركز قواته في غرب كردفان استعداداً لغزو دارفور.
رغم انتصار الزبير واحتلاله لـ (دارة)، إلا أنه كان يجابه ضغطاً من قوات السلطنة. فقد تمكن (الشرتاي) أحمد نمر تيراب حاكم البرقد من تجميع بقايا جيش أحمد شطة، ومناوشة قوات الزبير في (دارة) مما يتيح بعض الوقت للسلطان بما يمكنه من تجميع جيش آخر.
الحرب الدبلوماسية والدعائية
كما سبقت الإشارة إلى ذلك، فقد أرسل الزبير عدداً من الرسائل للسلطان إبراهيم قرض بينما كانت المعارك تدور. وخدمت هذه الرسائل أغراضاً عدة، منها المساس بشرعية سلطة السلطان، وخلخلة دولته بكسب الزبير لشخصيات رئيسية في مؤسسته. وموضوع آخر هام وحساس وهو إيجاد المسوق الشرعي لما أقدم عليه من مهاجمة دولة مسلمة. تم نشر رسائل الزبير للسلطان تحت عنوان " الأجوبة السديدة في إنذار وتهديد أهل المكيدة". في إحدى رسائل الزبير الموجهة للـ (علماء) قدم نفسه على أنه المتجرد، حامل رسالة الإسلام للوثنيين في الجنوب.. وتحدث فيها عن محاربته للطغاة والكفرة والمشركين وتحويلهم من عبادة الأوثان، وإدخاله للكثيرين منهم في ملة الإسلام. وظل الزبير يركز في رسائله للـ (علماء) على الادعاء بان السلطان قد خالف الدين بحربه لهم دون أن يكونوا قد حاربوه أو خالفوا الشريعة.
بتاريخ الثالث من رجب 1291هـ ، الموافق 16 أغسطس 1874م، الموافق 16 أغسطس 1874 ، أرسل الزبير خطاباً أخيراً للسلطان لائمه فيه على إيوائه للرزيقات الذين كانوا يهددون الطرق ما بين دارفور والسودان المصري التي قام هو بفتحها لجميع المسلمين . وأعلن في ذلك الخطاب عزمه على ضم السلطنة باسم الخديوي. جاء في الخطاب "إذا ما كنت عبد الله ومؤمناً بأن الأرض لله يعطي ملكها من يشاء من عباده.." طالب الزبير السلطان أن يتنازل عن الملك ويستسلم لسيده (الخديوي)؛ مؤكداً له أنه يؤمن له ممتلكاته وثرواته ومكانته الرفيعة؛ أما إذا أبى، فسوف يكون مسئولاً أمام الله عن دماء المسلمين. هكذا كانت حجج الزبير مزيجاً من الدين والسياسة. غير أنه للحقيقة والأمانة لم يتطرق لمسألة حق المسلم في محاربة مسلم آخر.
تجاهل السلطان إبراهيم قرض رسائل الزبير؛ وتجاوب معها بتوجيهه رسالة لقبيلة أولاد جابر (بالقرب من مليط)، المعروفين بالصلاح، بأن يعقدوا ألف (ختمة) كاملة للقرآن على نية النصر على الأعداء. والتجاوب الثاني كان دبلوماسيا، حيث بعث برسالة للوزير العثماني الأعلى مذكرا إياه بـ (فرمان) سابق أصدره السلطان عبد الماجد (1839-1861م)، وآخر أصدره السلطان عبد العزيز (1861-1876م) يضمنان لسلطان دارفور حدود سلطنته واستقلالها. إن هذين الـ (فرمانين) اللذين أشار إليهما السلطان يثيران أمراً محيراً لن يكون له تفسير إلا في وثائق اسطنبول. وذلك حيث أن السلطان عبد الماجد كان قد أصدر (فرمانين) لمحمد علي باشا، كان أحدهما حول السودان ونص بالتحديد على تبعية دارفور لمصر. وتم التأكيد على هذين (الفرمانين) وتمديدهما من قبل السلطان عبد العزيز في (فرمان) بتاريخ 8 يونيو 1867م. فإذا ما كان هذان هما (الفرمانين) اللذين أشار إليهما السلطان إبراهيم قرض- ويبدو أن لديه نسخاً منهما- فمن الصعب أن نفهم كيف فسرهما السلطان إبراهيم قرض على أنهما يضمنان له استقلال سلطنته.
كان لدارفور صلات دبلوماسية مع الدولة العثمانية. غير أن السلطان إبراهيم لم يعتمد كلياً على الضمانات العثمانية المزعومة. فقد سعى لإرضاء الخديوي، إذ بعث له بتاريخ 4 رجب 1291هـ الموافق 17 أغسطس 1874م برسالة يعبر فيها عن الخضوع والطاعة، حملها إلى القاهرة التاجر الحاج حمزة، غير أنها لم تكن مجدية.
إن ادعاء السلطان إبراهيم قرض بكون دارفور دولة إسلامية مستقلة ذات سيادة- وهو ادعاء أكد عليه السلطان محمد الفضل لمحمد علي باشا قبل خمسين سنة سبقت- فلم يكن له أي اعتبار في نظر الزبير ولا في نظر الخرطوم والقاهرة.
الحملة مستمرة
في هذا الأثناء ظلت الحملة مستمرة .. فقد أبحرت قوة صغيرة من (دارة) تحت قيادة رابح فضل الله وقتلت (شرتاي) البرقد. وفي حوالي يوليو/أغسطس أرسل السلطان إبراهيم قرض جيشاً آخر جنوباً تحت قيادة عمه الأمير حسب الله بن محمد الفضل. حاول جيش حسب الله محاصرة الزبير في (دارة). غير أن تكتيكات الزبير الدفاعية، المؤسسة على ميزة قوة السلاح الناري، أجبرت الأمير حسب الله على التقهقر شمالاً.
زحف السلطان إبراهيم قرض أخيراً نحو (دارة) ووصلها في 5 رمضان 1291هـ الموافق 16 أكتوبر 1874م؛ وكانت المعركة الحاسمة التي انتصرت فيها قوات الزبير بفضل السلاح الناري الذي لم يكن الدارفوريون يعرفونه. بدأ السلطان وبقايا جيشه في الانسحاب نحو جبل مرة، موطن أجداد الأسرة الحاكمة. وبعد تسعة أيام وصل إلى منواشي حيث التحم معه الزبير في 14 رمضان 1291هـ الموافق 25 أكتوبر 1874م، في آخر مواجهة بينهما. وكان مع السلطان حراسه الشخصيون فقط. هزم السلطان إبراهيم قرض وتم الاستيلاء على النقارة المقدسة (المنصورة). بأوامر من الزبير تم دفن جثمان السلطان بكامل طقوس التكريم والشرف في مسجد شيخ طاهر أبو جاموس في منواشي. وقوبل سقوط السلطنة باحتفالات في كل من الخرطوم وبربر.
****************
عرض لكتاب "تاريخ سلطنة دارفور"
لمؤلفه بروفسور ر. س. أوفاهي (5)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
"أهدي هذا الكتاب للقراء - وللدارفوريين بشكل خاص - كهدية من صديق في زمن عصيب" ر. س. أوفاهي.
*****
أقدم فيما يلي ملخصاً لما ورد في الفصل الخاص بـ:
- الفترة التي تلت معركة منواشي
- المهدية في دارفور
- استعادة السلطنة
- الإصلاحات الدينية والاجتماعية في عهد السلطان علي دينار
أم كويكية
كانت معركة منواشي بين قوات الحكم التركي المصري وقوات سلطنة دارفور في 25 أكتوبر 1874م ، والتي قتل فيها السلطان إبراهيم قرض ، هي النهاية لوجود دولة كيرا الإفريقية المسلمة المستقلة التي تعود نشأتها إلى منتصف القرن السابع عشر، والتي هي امتداد لدولة سودانية إفريقية عريقة ترجع جذورها إلى القرن الثاني عشر. ومنذ 1874م وحتى اندلاع الثورة المهدية في 1882م كانت دارفور نظرياً جزءاً من السودان التركي المصري؛ غير أن فكرة السلطنة ظلت حية في جبل مرة وفي أرض دارفور طوال تلك السنوات. ولقد شهدت السنوات التي تلت سقوط سلطنة دارفور مقاومة بطولية لإبقاء جذوة السلطنة متقدة؛ كما شهدت من الناحية الأخرى الرعب والتخريب الذي قامت به قوات الحكم التركي المصري لقهر تلك المقاومة. ويشار في الأدب الدارفوري إلى تلك السنوات بـ "أم كويكية" ، لأنها تميزت بنيران السلاح، وقطع الطرق، والبؤس المستشري - خاصة مع إفلاس الإدارة واستغراقها في الحروب المستمرة .
المهدية في دارفور
للمهدية في دارفور تاريخ معقد ومتعدد الجوانب. فمن الملاحظ أنه لم تكن للمهدية جاذبية كبيرة وسط المجتمعات غير العربية في دارفور ، وربما يكون عامل اللغة أحد أسباب ذلك. سبب آخر هو عدم تغلغل الصوفية الجديدة وسط المزارعين المستقرين . ونتيجة لذلك ظل الفور والمساليت يعيشون في عالمهم الخاص بدون تأثير كبير، بينما وجدت الدعوة المهدية صدى أكبر وسط الرحل ؛ ولعل ذلك بسبب التأثير الذي كان للطريقة السمانية وسط البقارة؛ وأيضاً الدور المؤثر للأسر الدينية من قبيلة الفولاني الذين انتشرت وسطهم دعوة الجهاد التي أطلقها عثمان دانفوديو في شمال نيجيريا.
يمكن النظر لأهمية المهدية من زاويتين؛ أولاهما أنها أدخلت دارفور في السياسة السودانية، وثانيهما أنها بلورت الانفصام بين مفهومين للإسلام قائمين على "العقيدة المهدوية" من ناحية ، والتقاليد السودانوية (Sudanic Tradition ) من الناحية الأخرى- أي بين نظرة شاملة (ولا نقول شمولية) للإسلام تقيم وزناً لدور الإسلام في المجتمع؛ وبين فهم للإسلام متوافق مع المحيط المحلي. ولقد جرت المهدية دارفور نحو السودان - ليس فقط في فترة المهدية - بل لاحقاً أيضاً في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي. على النقيض من ذلك كانت العقيدة السودانوية مسئولة عن بروز دولة جديدة، ألا وهي سلطنة المساليت، والتي كانت القوة الدافعة وراء النجاح في استعادة سلطنة كيرا تحت قيادة السلطان علي دينار.
السلطان علي دينار
بينما كان كتشنر يقترب من أم درمان في أغسطس 1898م، كان علي دينار يخطط للعودة إلى دارفور . وبعد أن تمكن من الهرب من أم درمان - التي بقي فيها لست سنوات -، اتجه جنوباً حتى وصل إلى الترعة الخضراء ( منطقة شمال كوستي)، حيث استولى هو ومناصروه على بعض الجمال التي تخص الخليفة، ثم اتجه غرباً نحو كجمر، التي كان ينتظره فيها عدد من أنصاره من دارفور. لم تكن تلك الخطوة التي أقدم عليها علي دينار اندفاعاً معزولاً، بل كانت خطوة محسوبة ومنسقة مع أنصاره؛ فقد انضمت إليه مجموعات من الأعيان الذين كانوا يمثلون جزءاً هاماً من مؤسسة السلطنة القديمة. بعد أقل من شهرين من وصوله إلى دارفور ، وفي أكتوبر 1898م ، تمكن علي دينار من إحكام سيطرته على الفاشر . واستندت سياسته في السنوات الأولى على مرتكزين ، أولهما فرض سلطته على أوسع نطاق ممكن في دارفور ؛ وثانيهما اتقاء شر ونجت وكتشنر وسلاطين في الخرطوم.
يصف المؤلف حكم السلطان علي دينار - مقارنة مع حكم أجداده السلاطين السابقين- بأنه كان حكماً أوتوقراطياً؛ لكنه يوجد له المبرر في ذلك ، إذ أن حالة الفوضى التي كانت تعيشها دارفور آنذاك يستحيل معها استعادة السلطة المنظمة التي كانت قائمة في السلطنة القديمة ما بين ليلة وضحاها. المقربون من السلطان علي دينار وصفوه بقوة العزيمة وبالصرامة. مثل تلك السمات الشخصية، ممزوجة بضرورات الأمر الواقع، مثلت الخلفيات التي قام عليها منهجه في إدارة دولته - والتي حكمها حكماً مباشراً. ولتعزيز سلطته كسلطان حرص على التواصل مع الماضي. ولقد دفعته تهديدات الدعوات الدينية إلى انتهاج سياسات دينية متناقضة نوعاً ما. فمن ناحية - ولمحاربة الدعوة المهدية التي نفذت إلى أعماق المجتمع- لجأ علي دينار إلى فرض العقيدة الدينية؛ بينما من الناحية الأخرى نسب إلى نفسه خاصية الولي ، وشيئاً من القدسية.
كان من الأولويات الواضحة للسلطان علي دينار إيجاد نظام قضائي فعال يستطيع أن ينظر في القضايا المتراكمة والعالقة من فترة المهدية والفترة التي سبقتها. وخلافاً للتقاليد التي كانت سائدة في السلطنة قبل 1874م، عين السلطان علي دينار قاضي قضاة ( هو القاضي إدريس عبد الله، الذي استمر في منصب قاضي عموم دارفور حتى عام 1916م). كذلك أدخل السلطان علي دينار إصلاحات في النظام الضرائبي، كما كانت له إصلاحات في المجال العسكري أيضاً. كان علي دينار مجدداً؛ غير أنه في سعيه المتواصل لإعادة تأسيس دولته، ظل في جميع الأمور يجمع ما بين القديم والجديد؛ وكان أكثر تأصيلاً في سياساته الدينية .
إحياء الدين
عاش سلاطين دارفور السابقون تحيط بهم طقوس مستمدة من تقاليد الفور بأكثر من كونها مستمدة من الإسلام. غير أن علي دينار كان رافضاً للإسلام السهل الذي اتبعه أجداده ، والقائم على (التخليط)؛ كما كان معارضاً للمهدية. كان النهج الذي يفضله هو ذلك النهج الذي يجمع ما بين إسلام المؤسسة - مثل الإسلام الذي يسانده الأزهر، والذي يخضع المؤسسة الدينية للدولة- وبين الإسلام الصوفي. تكمن أهمية المهدية الرئيسية بالنسبة لعلي دينار في أنها قادته إلى صياغة سياسة دينية داخلياً وخارجياً، وإلى تقديم تفسير لماضي دارفور يصب في مصلحة السلطان العثماني.
تأثرت الإدارة في السنوات الأولى من حكم السلطان علي دينار بأساليب المهدية، حيث ظل الكتبة والسكرتاريون المتوارثون من سلطات المهدية يستخدمون بعض عبارات الترحيب المهدوية ، مثل (الحبيب). ومن الإبداعات الجديدة للسلطان علي دينار دعوى انتسابه للعباس، واعتماد ذلك في الألقاب الرسمية؛ بينما لم يكن السلاطين السابقون يشيرون إلى ذلك النسب إلا بشكل مبهم؛ كما لم يضمنوه أبداً في وثائقهم ، حتى وهم يستخدمون ألقاباً مملوكية أو عثمانية مثل: "خادم الحرمين الشريفين" ، أو "سلطان البرين والبحرين".
تضمن برنامج السلطان علي دينار لإعادة البناء السيطرة المحكمة على (الفقرا) في مملكته، والذين كان يعاملهم كأنهم أعضاء في طريقة صوفية هو شيخها. وكان (الفقرا) في كل منطقة منظمين تحت (مقدوم) مسئول عنهم . ومن السياسات الدينية للسلطان علي دينار إقامته علاقات مع العالم الإسلامي الخارجي ؛ فلقد كانت له صلات وثيقة ومراسلات منتظمة مع العديد من المدارس الصوفية الجديدة - وبشكل خاص السنوسية والختمية والإسماعيلية. كانت الصلات مع السنوسية مهمة لذاتها، وذلك لأنها تفتح القنوات مع العثمانيين؛ وتضمنت رسائله إلى السيد المكي، شيخ الطريقة الإسماعيلية بالأبيض، وصفاً لجهوده الرامية للتمكين للدين في دولته؛ وفي رسائله للسيد علي الميرغني ظل السلطان علي دينار يفصح بحرية عن سخطه عن ما يراه من ازدواجية في الحكم الثنائي. وفي عهد السلطان علي دينار أصبحت الطريقة التيجانية أكثر رواجاً وانتشاراً في دارفور. ولقد ظلت الفاشر تستقبل وتستضيف بكرم وحفاوة أبرز قادة الطريقة التيجانية وأكبرهم مكانة في غرب إفريقيا.
من علامات الاستقامة الدينية للسلطان علي دينار إرساله المحمل إلى مكة لكسوة الكعبة؛ ومواصلته تقديم المساندة لرواق دارفور في الأزهر. ومن الإيماءات الأخرى في هذا الجانب، إرساله نسخة من موجز تاريخ حياته لمكتبة دار الفلاح بمكة؛ ونشره في مطبعة السودان بالخرطوم "ديوان المديح في مدح النبي المليح".
الإعداد لغزو دارفور
في عام 1915م كان حاكم عام السودان رينالد ونجت يضغط على حكومتي مصر وبريطانيا للإذن له بأن "يقضم" دارفور قبل أن يفعل ذلك الفرنسيون الذين كانوا يحومون حول حدود دار مساليت. ينتقد المؤلف المبررات التي ظل يسوقها البريطانيون لغزو دارفور في عام 1917م ( ويذكر أن ما أورده بروفسور ثيوبولد عنها ناتج من تأثره بوجهة النظر البريطانية). ويعزي المؤلف ما ظلت تروج له أجهزة الدعاية الحكومية عن قسوة السلطان علي دينار وقهره للفقراء، إلى رغبة تلك الأجهزة في تكوين صورة انطباعية سلبية تبرر الغزو؛ ولا يوجد سند للقصص الساذجة التي كانت تروج لها أجهزة الدعاية ( مثل الفرية عن مصير الطفل الوليد الذي أسماه والداه على اسم السلطان). يذكر المؤلف أنه يستبعد أن يكون ونجت شخصياً مقتنعاً بمثل ذلك الهراء.
من جانبه، وفي ظل أجواء الدعاية والدعاية المضادة، كان السلطان علي دينار- من منطلق معارضته للحكومة- يخاطب ونجت بـ "سن النار" بدلاً من السردار! وفي إحدى رسائله لونجت عبر علي دينار عن اعتزازه بنفسه، وافتخاره بمكانته كسلطان، وبمجده العريق؛ حيث جاء فيها:
"إنني بفضل الله سلطان وابن سلطان؛ ولقد ورثت المملكة بحق من أجيال.. وأنا - بمشيئة الله العظيم- أجلس الآن على عرش آبائي وأجدادي".
بقية القصة معروفة ؛ فقد غزا البريطانيون دارفور، وذبحت قوات دارفور في موقع المعركة بالقرب من الفاشر .. وتمت محاصرة السلطان علي دينار وقتله في نوفمبر 1916م.
هكذا انتهت سلطنة كيرا.. غير أنها انتهت بشرف.
*****
عرض لكتاب "تاريخ سلطنة دارفور"
لمؤلفه بروفسور ر. س. أوفاهي (6)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
كان للنساء دور بارز في بلاط السلطان - سواء كن ميارم (مفردها ميرم) - وهن الأميرات الشابات - أو الحبوبات . وقد كانت الحرية والسلطة التي تتمتع بها نساء البلاط بشكل خاص (والنساء عموماً داخل السلطنة) مثار دهشة الزوار المسلمين. وربما تكون تلك الوضعية المتميزة لنساء البلاط مستمدة من ثقافة الفور السابقة للإسلام، والتي تم إدماجها في بلاط آخذ في الأسلمة بصورة متزايدة. لذلك فإن بعض أنماط السلوك التي قد تكون عادية في قرى الفور تصبح أكثر ملاحظة في البلاط السلطاني. غير أن تلك الحرية الاجتماعية كانت على توافق مع المحافظة على تعاليم الدين. ومثل ما هو عليه الحال في المناطق الريفية كانت النساء هن اللاتي يحافظن على المعتقدات والأعراف التقليدية.
من ألقاب الأميرات
- إيا كوري وهو اللقب الذي يشار به إلى الوالدة ذات النفوذ ، والسيدة الأولى من بين زوجات السلطان.
- إيا باسي وهو لقب الأميرة الأم – الشقيقة الأثيرة للسلطان .
- الحبوبة وهو لقب الملكة الأم .
ومن حيث النفوذ السياسي فإن إيا باسي هي ذات التأثير الأكبر ، والارتباط الأكثر بالسلطان من حيث المشاركة في الحكم وفي المصير أيضاً ؛ فلقد تم إعدام الأميرة زمزم عندما أعدم شقيقها أبو القاسم. وفي فترة لاحقة نجد أن الأميرة تاجا قد اضطلعت بدور بارز في تشجيع وحفز السلطان علي دينار على محاربة الإنجليز.
كذلك كانت الأميرة(إيا باسي) زمزم هي الشخصية المتنفذة في السنوات الأخيرة من فترة حكم شقيقها السلطان محمود الحسين ، بل مكنتها الظروف من أن تصبح الحاكم الفعلي للسلطنة. في عام 1856م (وكان شقيقها السلطان قد فقد نظره)، طافت الأميرة زمزم أرجاء السلطنة وهي تقود رجالها المسلحين، حتى نجحت في أن تحصل من السلطان الواهن على الحواكير التي كانت ترغب فيها. وقد كانت الأميرة زمزم – كغيرها من نساء البلاط – فارسة تجيد ركوب الخيل. وكانت تصدر المراسيم باسمها . ولأنها لم تكن راضية عن التأثير المتنامي للفقيه محمد البلالاوي على شقيقها السلطان - والذي أوهنه المرض - ، فقد تضامنت مع الوزير أحمد شطة للتخلص من ذلك الفقيه ، وإبعاده من دارفور ، وذلك رغم اعتراض السلطان. عند وفاة السلطان امتنعت الأميرة زمزم عن تناول الطعام حتى قضت جوعاً.
الألقاب والمناصب
كانت هناك أشكال معقدة من الألقاب والمناصب تخصص لأفراد العائلة المالكة رجالاً ونساءً ، ولأسر الزعماء ، ولأمراء الحرب ، ولحكام المديريات ، ولخبراء الطقوس ، ولحراس الامتيازات السلطانية والصولجان.
النخبة غير الرسمية
شهد بلاط السلطان في دارفور نشوء نخبة غير رسمية ذات مشارب متنوعة ، وذلك بشكل مختلف عن ما كان مألوفاً في الممالك السودانية (Sudanic Kingdoms)؛ ولعل السبب وراء ذلك هو توظيف مجموعات، ونشوء ظروف جديدة فرضت نفسها على مؤسسة الحكم تجاوباً مع الحاجات والمواقف الجديدة . وقد أدت إستراتيجية الزواج من العائلة المالكة بشكل متزايد إلى إدماج نخب من القبائل والقادة الإقليميين في المركز.
طبقة الكتاب
أدت الحاجة إلى بيروقراطية من المتعلمين ، إلى نشوء طبقة من الكتبة (Scribes)؛ كما أدى التوسع العسكري إلى أن يحل جباة محترفون محل من كانوا يقومون بجباية الضرائب من القبائل بالطرق التقليدية .
التجار
واحدة من فئات النخبة التي يشوبها قدر من الغموض هي فئة التجار؛ وذلك بسبب أن الجزء الأعظم من أنشطتهم - وكذلك أموالهم -، كانت خارج السلطنة.
المحاربون المحترفون
كانت دارفور في بداية القرن التاسع عشر إمبراطورية ممتدة حتى النيل. كما كانت تمتلك ثروات هائلة، وتدير تجارة مزدهرة مع مصر. وقد جذب ذلك الثراء والازدهار أنواعاً من المغامرين - من بينهم المرتزقة. وكان وجود أمثال هؤلاء المحاربين المحترفين المتزودين بتقاليد الفروسية أمراً مألوفاً في إفريقيا السودانية (Sudanic Africa).
طبقة الأرقاء تحتل مواقع مؤثرة
في بداية القرن التاسع عشر بدأ يسيطر على النخبة في البلاط ثلاثة عناصر ، ألا وهي: المنحدرون من طبقة الأرقاء، و(الفقرا)، والتجار.
كان توظيف الأرقاء أمراً مألوفاً في الدول الإسلامية، وذلك حيث أنه يخلق توازناً مع أرستقراطية النبلاء بالوراثة أو نبلاء الأقاليم؛ ولم تكن دارفور استثناء من ذلك. فلقد عمل المنحدرون من طبقة الأرقاء داخل مجمع البلاط السلطاني كحراس وكإداريين؛ بل كان الكثيرون منهم مقربين من السلاطين. كما عملت الإماء كمحظيات؛ وكانت المنطقة المخصصة للحريم يديرها أرقاء من الخصيان . وكان الأرقاء العاملون في البلاط منظمين وفقاً لتسلسل معقد من المجموعات والألقاب. ونبع اهتمام السلاطين بالأفراد الموهوبين من طبقة الأرقاءً من كونهم طيعين أكثر من النبلاء بالوراثة. ولسلاطين كيرا أسبابهم في توخي الحذر، إذ أن اثنين من السلاطين لقوا مصرعهم على أيدي أفراد من أرستقراطية النبلاء.
(الفقرا) - رجال الدين والعلماء
بينما تمتع الأرقاء بذلك الوضع المميز بقربهم من مواقع السلطة المؤثرة، كان (الفقرا) والتجار في وضع أقل مكانة في البلاط. كان يتم تعيين بعض (الفقرا) كقضاة، وتعيين بعضهم الآخر في وظائف متنوعة في بلاط السلطان - مثل تعليم أبناء السلاطين والزعماء، أو العمل كمستشارين قانونيين، أو القيام بأعمال السكرتارية، أو أعمال الوساطة عند حلول الأزمات السياسية.
دائماً كانت توجد حدود لنفوذ (الفقرا). فلقد أحاط السلطان الفقيه الورع محمد الحسين نفسه بعدد من العلماء والمتصوفة، من بينهم محمد بن المختار الشنقيطي (توفي 1881م)، وهو من متصوفة موريتانيا، وينتمي إلى الطريقة التيجانية. وهو الذي قاد السلطان إلى إتباع الطريقة التيجانية، والتي أصبحت منذ ذلك الوقت الطريقة الرئيسية في دارفور. وقد عمل محمد بن المختار أيضاً سفيراً للسلطان في مصر. ومن العلماء المتصوفة أيضاً كان هناك أحمد الدرديري، وهو من عائلة رجال الدين الدواليب بخرسي في كردفان، الذين أصبحوا لاحقاً من أتباع الطريقة التيجانية .
رغم المكانة البارزة (للفقرا) في بلاط السلطان في القرن الثامن عشر، خاصة وأن الكثيرين منهم قد تزوجوا من نساء كيرا، إلا أنهم كانوا دائما في وضع المرؤوسين؛ وذلك لأنه ليست لديهم السلطة التي يتمتع بها الأعيان، ولا الأموال التي يتمتع بها التجار. ويلاحظ أن هناك اختلافاً وتناقضاً واضحا بين تلك المكانة المتواضعة (للفقرا) في بلاط السلطان وبين مكانة نظرائهم في المناطق الريفية من السلطنة، الذين كان نفوذهم يشع من مساجدهم ومناطق استقرارهم حولها. وهو نفوذ مستمد ليس فقط من الرعاية السلطانية، بل من الخدمات المتنوعة التي يؤدونها لمجتمعاتهم، وهي خدمات روحية وتعليمية، وخدمات ذات صلة بالسحر والطب العلاجي.
المؤسسة الدينية والمؤسسة السياسية
إن خضوع المؤسسة الدينية للمؤسسة السياسية هو الأمر السائد في العالم الإسلامي. فقط في أوقات الأزمات والتقلبات السياسية تتمكن القيادة الدينية من لعب دور مستقل. بالمثل كان خضوع التجار للمؤسسة السياسية. غير أنه – تماماً مثل ما كان (الفقرا) في سلطنة دارفور أكثر استقلالية من علماء القاهرة أو بغداد، لأنهم كانوا يعيشون في بيئة تضعهم في المقدمة، ولأنهم يعملون في عالم صوفي؛ كان وضع التجار ضمن النخبة أكثر بروزاً، وذلك بسبب تركيبة الشبكات التجارية التي ساعدت في إكسابهم استقلالية أكبر.
التجارة
من الموضوعات ذات الصلة بمكانة التجار وسط النخبة أن فترة أوج ازدهار التجارة بين دارفور ومصر (1750 – 1860م) كانت عنصراً أساسيا من العناصر التي أدت إلى نشوء مركزية السلطة في سلطنة دارفور. كان اهتمام السلاطين الرئيسي متركزاً في جني الأرباح من تلك التجارة، وليس بالضرورة إدارة الجوانب المرتبطة بها. غير أنه نظراً لأن تنظيم قافلة كبيرة متكونة من آلاف عديدة من الجمال أمر يحتاج إلى موارد ضخمة؛ ولأن استقبال القافلة في مصر كان عملاً لصيقاً بالعمل الدبلوماسي، فقد كانت التجارة والسياسة مرتبطتين برباط وثيق. وطوال تلك الفترة التي شهدت ازدهار التجارة كان السلاطين يتاجرون لحسابهم الخاص بواسطة تجار من العائلة المالكة وخدم تابعين لهم. كان هؤلاء التجار، سواء وكلاء أو أقارب للسلطان أو تجار يقومون بدور الوكلاء، يستخدمون أرباح السلع المباعة في مصر لصالح تجارة السلطان، وكانوا يتمتعون بوضع دبلوماسي.
أوضاع النخبة داخل بلاط السلطان
كانت الحركة التي تكيف أوضاع النخبة داخل بلاط السلطان بعيدة من الهرمية ذات التركيبة الرسمية ، من نوع تلك التي سادت في الدويلات السودانية. فالنخبة في سلطنة دارفور أقرب ما تكون إلى نخبة فضفاضة قوامها مجموعات المصالح التي تعمل في إطار متنامي البيروقراطية، وهم من المتعلمين؛ وهي بذلك أكثر من كونها تركيبة مستندة على صلات القرابة.
مثل العديد من أوجه تاريخ سلطنة دارفور، فقد انقطع بشكل مفاجئ التطور الطبيعي للسلطنة في العام 1874م - وإن تم استئناف السلطنة في عام 1898م. وكان ذلك الانقطاع واحداً من أعراض إعادة الصياغة الجوهرية للدولة التي تشكلت في القرن التاسع عشر. ومن جوانب تلك الصياغة الجديدة نمو نظام إقطاع الأراضي، وتعيين المقدومين أو المفوضين للإشراف على الرؤساء المحليين في الأقاليم، ونشوء بيروقراطية متنامية التعليم ونظام قضائي. إن وصف هذا التطور بالإسلامي يعني تجاهل الحقائق الاقتصادية والسياسية التي قادت إليه؛ لقد عبر الإسلام عن تلك التغيرات بوضوح لكنه لم يرسبها ويعجل من حدوثها.
المناسبات الوحيدة التي يمكن فيها مشاهدة أدوار سياسية تلعبها النخبة هي مناسبات الأزمات المصاحبة لانتقال الحكم؛ حين يتحول البلاط إلى ساحة يقتتل فيها الناس ويموتون من أجل مصالح قبلية أو فئوية. لم يكن الموت يأتي للخاسرين فقط من المنتصرين، حيث أنه في ذلك المجتمع المسلم ( وللغرابة) كان الانتحار أمراً مألوفاً بين النخبة. ومن أمثلة ذلك الوزير/ علي بن جامي، والمقدوم/ عبد السيد، والوزير/ عبد الباري، والإية باسي/ زمزم؛ جميع هؤلاء أنهوا حياتهم بأنفسهم إثر الفشل السياسي أو العسكري.
********
عرض لكتاب "تاريخ سلطنة دارفور"
لمؤلفه بروفسور ر. س. أوفاهي (3)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
نهاية استقلال سلطنة دارفور (1)
- تنامي قوة الزبير باشا وسيطرته على بحر الغزال
- دعم الخديوي إسماعيل للزبير
- محاولة كسب مساندة الرزيقات لضمان المرور الآمن لدارفور
في الجزء الثالث من الكتاب وتحت عنوان (نهاية الاستقلال) يلقي الكاتب الضوء على بعض الجوانب الهامة والتفاصيل المرتبطة بغزو دارفور (1873 – 1874م)؛ معلقاً أن غزو دارفور في عام 1874م من قبل الزبير باشا لم يكن فقط بداية النهاية لوجود سلطنة دارفور كدولة مستقلة ذات تاريخ متصل منذ القرن السادس عشر، بل كان أيضاً نقطة تحول في تاريخ السودان الحديث.
فعلى الرغم من المقاومة البطولية لحكام (كيرا) خلال سبعينات وثمانينات القرن التاسع عشر، ورغم أن آخر سلاطينها- علي دينار بن زكريا قد تمكن رسمياً من استعادة السلطنة في الفترة ما بين أعوام 1898-1916م، إلا أن دارفور بعد عام 1874م ظلت في نظر من حكموها من مصريين ومهدوين وبريطانيين وحتى اليوم جزءاً من السودان بكل ما يعنيه ذلك. إن فكرة دارفور ككيان منفصل- دعك عن استقلالها- لم تدخل الساحة الدولية حتى مفاوضات أبوجا التي جرت تحت رعاية الاتحاد الإفريقي في عام 2004م.
يتناول المؤلف خلفية المناخ التاريخي والإقليمي الذي نشأ تحت ظله الزبير باشا، واصفاً الزبير على أنه نتاج التوسع الاستعماري السائد في حينها، والمستفيد من التكنولوجيا الحديثة آنذاك المتمثلة في السفن والبنادق. فلقد بدأت في منتصف خمسينات القرن التاسع عشر موجة من المغامرين الأوربيين والمصريين والشرقيين والسودانيين الذين استخدموا السفن للتحرك عبر روافد الأنهار إلى غرب بحر الغزال ليكونوا شبكات من (الزرائب) أو (الكبانيات)، وجيوش من الأرقاء بهدف استغلال أهم موردين في الإقليم، ألا وهما البشر والأفيال. وكان وراء كل هذا النظام رجل واحد هو الزبير رحمة المنصور.
يذكر الكاتب أن الزبير رجل ذو تصميم عظيم ومقدرة؛ فمنذ مجيئه إلى بحر الغزال سرعانما أسس امبراطورية تجارية قائمة تنظيميا على (الكبانيات)- أي الشركات التجارية-، وجغرافياً على شبكة من المعسكرات المسلحة (الزرائب)، قوامها فرق من (الأرقاء) المسلحين بالسلاح الناري. كانت التجارة الرئيسية هي العاج، وكذلك (الرقيق) للاستعمال الداخلي كجنود، وكعمال يقومون بزراعة الغذاء للمعسكرات؛ كذلك كان يتم تصديرهم للشمال.
بحلول عام 1865م كان الزبير مسيطراً على كامل بحر الغزال، وذلك بعد قتله لجميع منافسيه أو استيعابهم. لكن مع نمو امبراطوريته دخل في نزاع مع الخديوي اسماعيل؛ فلقد أغلقت إجراءات مكافحة الرق المنافذ عبر النيل الأبيض، مما جعل المنافذ البرية إلى الشمال ضرورية. كانت هذه المنافذ تمر عبر مناطق قبائل البقارة، وهي الأراضي الواقعة بين سلطنة دارفور والمناطق التي هي تحت سيطرة الزبير. وقد عقد الزبير اتفاقية مع الرزيقات في مارس 1866م أساسها هو قيامه بدفع رسوم للقبيلة مقابل توفير الحماية والمرور الآمن عبر أراضيهم (وهذه الاتفاقية هي التي أدت بشكل غير مباشر إلى سقوط سلطنة دارفور).
هذا التقنين للشبكات التجارية في المنطقة سدد ضربة كبيرة للقواعد التجارية لسلطنة دارفور. فلقد أصبح الزبير الآن مسيطراً على الخلفية الاقتصادية للسلطنة، وكذلك على منافذ الدخول إليها والخروج منها. وفي عام 1873م انهارت اتفاقية الزبير مع الرزيقات، إذ تمت مهاجمة إحدى قوافله وقتل عدد من أقاربه. وقبل الثأر لتلك الهزيمة، كتب الزبير خمس رسائل للسلطان ما بين يونيو 1873م واغسطس 1874م ؛ وكان هدفه من وراء تلك الرسائل هو تبرير أعماله. في البداية خاطب الزبير السلطان باحترام باسم "خادم الخديوي" (نحن عبيد أفندينا)، الذي كان مستغرقاً في غزو بلاد الفرتيت. ذكر الزبير للسلطان أن مقاصد الدولة المصرية شريفة، وأنه يخاطبه درءاً للفتن بين الدولتين. كذلك ذكّر الزبير السلطان إبراهيم قرض بالعلاقات الطيبة التي كانت قائمة بين والده والخديوي. ركز الزبير في تلك الرسائل على التأكيد على أنه خادم مخلص لحاكم مصر؛ لكنه في نفس الوقت كان يقر بأن دارفور دولة (الدولة الدارفورية).
كانت لهجة رسالة الزبير الثالثة للسلطان أكثر حدة، احتج فيها على عدم قيام السلطان بالرد على رسالتيه السابقتين. كما ذكر في تلك الرسالة أنه عباسي وهاشمي، ولا يقبل التهديد والإساءة؛ وختمها بنصح السلطان بالتسليم للخديوي. بعد شهر من ذلك قام الخديوي بتعيين الزبير مديراً للشاكة وبحر الغزال، ومنحه لقب بك. ربما كان الهدف من وراء ذلك هو تقديم السند له في محاولته هزيمة السلطان، وأيضاً تزويده بالشرعية اللازمة.
غزو السلطنة
استغرق غزو السلطنة فترة عام تقريباً؛ فالمسافة بين الشاكة والفاشر أكثر من 400 كيلومتر؛ كما أن صعوبات الإمداد كانت تحول دون أي حملة سريعة. ولقد عكست الغزوة إجادة الزبير لهذا النوع من الحروب، وكذلك كشفت عن عدم كفاية التنظيم العسكري لسلطنة دارفور.
كانت القوى المتحاربة تفتقر إلى الندية. فمن ناحية كان الزبير قد تمكن خلال ما يقارب العشرين سنة (1856-1873م) من المعارك الصعبة، من تاسيس جيش غير نظامي لا يجارى قوامه قوات الرقيق ، المعروفين بـ (البازنقر) ومؤخراً باسم الجهدية، والذين تم تجنيد معظمهم من قبائل بحر الغزال وما وراءها، وبشكل خاص من قبيلة الزاندي. وكان للعديد من الضباط، مثل النور محمد عنقرة، من الذين خدموا ضمن القوات المصرية، تجارب قتالية. وكان من بين ضباط جيش الزبير عدد من الذين أصبحوا لاحقاً من جنرالات المهدية المشهورين، منهم حمدان أبو عنجة- النور عنقرة- الزاكي طمل- عبد الرحمن النجومي؛ وضابط آخر كان له سجل زاخر في الحروب أكثر من قائده نفسه، ألا وهو رابح فضل الله.
من الناحية الأخرى لم يكن لسلطنة دارفور ما يمكنها من التجاوب مع هذا المستوى من التجربة والممارسة؛ فلقد توقفت السلطنة منذ زمن من السعي لأن تكون قوة توسعية. وجاءت محاولات أحمد شطة والآخرين لتأسيس وحدات عسكرية جديدة مماثلة لقوت (البازنقر) متأخرة جداً. رغم ذلك فقد كانت السلطنة هي من تحرك أولاً، حيث تقدم أحمد شطة بصحبة (صاحب النحاس) سعد النور إبراهيم رماد في دار الرزيقات، وتمكن في ديسمبر 1873م من هزيمة فصيل من قوات الزبير تحت قيادة النور عنقرة. غير أن أحمد شطة- رغم هذا النجاح- رأى أن يكتب خطاباً هادئاً للزبير فيما يبدو أنه محاولة لبدأ مفاوضات معه. لكن أخيراً بتوجيه من السلطان، وضغط من رجاله، هاجم (المقدوم) أحمد شطة الزبير في منطقة ما بين الشاكة ودارة في يناير أو فبراير 1874م؛ غير أنه قتل في المعركة التالية هو وسعد النور، و(المقدوم) عبد الله رنجة، و (الأمين) عبد الباري.
*************
عرض لكتاب "تاريخ سلطنة دارفور"
لمؤلفه بروفسور ر. س. أوفاهي (4)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
- المقاومة الدارفورية
- طلب السلطان إبراهيم قرض السند من الدولة العثمانية
- رسائل الزبير باشا للـ (علماء) في دارفور
- معركة منواشي ومقتل السلطان
-------------
مقدمة
في هذا الجزء من العرض أواصل تقديم ما ورد في كتاب بروفيسور أوفاهي تحت عنوان (نهاية الاستقلال) ، والذي ألقى فيه الكاتب الضوء على بعض الجوانب الهامة والتفاصيل المرتبطة بغزو دارفور (1873 – 1874م)؛ معلقاً بأن غزو دارفور في عام 1874م من قبل الزبير باشا لم يكن فقط بداية النهاية لوجود سلطنة دارفور كدولة مستقلة ذات تاريخ متصل منذ القرن السادس عشر، بل كان أيضاً نقطة تحول في تاريخ السودان الحديث.
احتل الزبير (دارة) في 23 ذي الحجة 1290 هـ، الموافق 11 قبراير 1874م. كانت مع أحمد شطة قوات قليلة نسبياً، هم من فرق (الأرقاء) التي كانت لدي السلطنة، والتي كانت مسلحة ببنادق الرمنقتون؛ بينما بدأ الزبير في جلب تعزيزات معتبرة من (زرائبه) في بحر الغزال حتى بلغ عدد جنوده 7.000 من الرجال المزودين بالسلاح الناري، كما بدأت السلطات التركية المصرية في التحرك.
كانت كل من الخرطوم والقاهرة متابعة لتقدم الزبير بقدر من الانزعاج، وشرعا في اتخاذ إجراءات بهدف إيقاف تقدمه، أو على الأقل سلبه من مكاسبه. في فبراير 1874م أعلن الخديوي إسماعيل الحرب على سلطنة دارفور، وكان الغطاء المبرر لذلك هو "عدوان السلطان، وتصميم الخديوي على إنهاء تجارة الرقيق" ؛ وهي أسباب لا بد أنها بدت للسلطان غريبة. صدرت الأوامر للحاكم العام إسماعيل أيوب باشا بأن يركز قواته في غرب كردفان استعداداً لغزو دارفور.
رغم انتصار الزبير واحتلاله لـ (دارة)، إلا أنه كان يجابه ضغطاً من قوات السلطنة. فقد تمكن (الشرتاي) أحمد نمر تيراب حاكم البرقد من تجميع بقايا جيش أحمد شطة، ومناوشة قوات الزبير في (دارة) مما يتيح بعض الوقت للسلطان بما يمكنه من تجميع جيش آخر.
الحرب الدبلوماسية والدعائية
كما سبقت الإشارة إلى ذلك، فقد أرسل الزبير عدداً من الرسائل للسلطان إبراهيم قرض بينما كانت المعارك تدور. وخدمت هذه الرسائل أغراضاً عدة، منها المساس بشرعية سلطة السلطان، وخلخلة دولته بكسب الزبير لشخصيات رئيسية في مؤسسته. وموضوع آخر هام وحساس وهو إيجاد المسوق الشرعي لما أقدم عليه من مهاجمة دولة مسلمة. تم نشر رسائل الزبير للسلطان تحت عنوان " الأجوبة السديدة في إنذار وتهديد أهل المكيدة". في إحدى رسائل الزبير الموجهة للـ (علماء) قدم نفسه على أنه المتجرد، حامل رسالة الإسلام للوثنيين في الجنوب.. وتحدث فيها عن محاربته للطغاة والكفرة والمشركين وتحويلهم من عبادة الأوثان، وإدخاله للكثيرين منهم في ملة الإسلام. وظل الزبير يركز في رسائله للـ (علماء) على الادعاء بان السلطان قد خالف الدين بحربه لهم دون أن يكونوا قد حاربوه أو خالفوا الشريعة.
بتاريخ الثالث من رجب 1291هـ ، الموافق 16 أغسطس 1874م، الموافق 16 أغسطس 1874 ، أرسل الزبير خطاباً أخيراً للسلطان لائمه فيه على إيوائه للرزيقات الذين كانوا يهددون الطرق ما بين دارفور والسودان المصري التي قام هو بفتحها لجميع المسلمين . وأعلن في ذلك الخطاب عزمه على ضم السلطنة باسم الخديوي. جاء في الخطاب "إذا ما كنت عبد الله ومؤمناً بأن الأرض لله يعطي ملكها من يشاء من عباده.." طالب الزبير السلطان أن يتنازل عن الملك ويستسلم لسيده (الخديوي)؛ مؤكداً له أنه يؤمن له ممتلكاته وثرواته ومكانته الرفيعة؛ أما إذا أبى، فسوف يكون مسئولاً أمام الله عن دماء المسلمين. هكذا كانت حجج الزبير مزيجاً من الدين والسياسة. غير أنه للحقيقة والأمانة لم يتطرق لمسألة حق المسلم في محاربة مسلم آخر.
تجاهل السلطان إبراهيم قرض رسائل الزبير؛ وتجاوب معها بتوجيهه رسالة لقبيلة أولاد جابر (بالقرب من مليط)، المعروفين بالصلاح، بأن يعقدوا ألف (ختمة) كاملة للقرآن على نية النصر على الأعداء. والتجاوب الثاني كان دبلوماسيا، حيث بعث برسالة للوزير العثماني الأعلى مذكرا إياه بـ (فرمان) سابق أصدره السلطان عبد الماجد (1839-1861م)، وآخر أصدره السلطان عبد العزيز (1861-1876م) يضمنان لسلطان دارفور حدود سلطنته واستقلالها. إن هذين الـ (فرمانين) اللذين أشار إليهما السلطان يثيران أمراً محيراً لن يكون له تفسير إلا في وثائق اسطنبول. وذلك حيث أن السلطان عبد الماجد كان قد أصدر (فرمانين) لمحمد علي باشا، كان أحدهما حول السودان ونص بالتحديد على تبعية دارفور لمصر. وتم التأكيد على هذين (الفرمانين) وتمديدهما من قبل السلطان عبد العزيز في (فرمان) بتاريخ 8 يونيو 1867م. فإذا ما كان هذان هما (الفرمانين) اللذين أشار إليهما السلطان إبراهيم قرض- ويبدو أن لديه نسخاً منهما- فمن الصعب أن نفهم كيف فسرهما السلطان إبراهيم قرض على أنهما يضمنان له استقلال سلطنته.
كان لدارفور صلات دبلوماسية مع الدولة العثمانية. غير أن السلطان إبراهيم لم يعتمد كلياً على الضمانات العثمانية المزعومة. فقد سعى لإرضاء الخديوي، إذ بعث له بتاريخ 4 رجب 1291هـ الموافق 17 أغسطس 1874م برسالة يعبر فيها عن الخضوع والطاعة، حملها إلى القاهرة التاجر الحاج حمزة، غير أنها لم تكن مجدية.
إن ادعاء السلطان إبراهيم قرض بكون دارفور دولة إسلامية مستقلة ذات سيادة- وهو ادعاء أكد عليه السلطان محمد الفضل لمحمد علي باشا قبل خمسين سنة سبقت- فلم يكن له أي اعتبار في نظر الزبير ولا في نظر الخرطوم والقاهرة.
الحملة مستمرة
في هذا الأثناء ظلت الحملة مستمرة .. فقد أبحرت قوة صغيرة من (دارة) تحت قيادة رابح فضل الله وقتلت (شرتاي) البرقد. وفي حوالي يوليو/أغسطس أرسل السلطان إبراهيم قرض جيشاً آخر جنوباً تحت قيادة عمه الأمير حسب الله بن محمد الفضل. حاول جيش حسب الله محاصرة الزبير في (دارة). غير أن تكتيكات الزبير الدفاعية، المؤسسة على ميزة قوة السلاح الناري، أجبرت الأمير حسب الله على التقهقر شمالاً.
زحف السلطان إبراهيم قرض أخيراً نحو (دارة) ووصلها في 5 رمضان 1291هـ الموافق 16 أكتوبر 1874م؛ وكانت المعركة الحاسمة التي انتصرت فيها قوات الزبير بفضل السلاح الناري الذي لم يكن الدارفوريون يعرفونه. بدأ السلطان وبقايا جيشه في الانسحاب نحو جبل مرة، موطن أجداد الأسرة الحاكمة. وبعد تسعة أيام وصل إلى منواشي حيث التحم معه الزبير في 14 رمضان 1291هـ الموافق 25 أكتوبر 1874م، في آخر مواجهة بينهما. وكان مع السلطان حراسه الشخصيون فقط. هزم السلطان إبراهيم قرض وتم الاستيلاء على النقارة المقدسة (المنصورة). بأوامر من الزبير تم دفن جثمان السلطان بكامل طقوس التكريم والشرف في مسجد شيخ طاهر أبو جاموس في منواشي. وقوبل سقوط السلطنة باحتفالات في كل من الخرطوم وبربر.
****************
عرض لكتاب "تاريخ سلطنة دارفور"
لمؤلفه بروفسور ر. س. أوفاهي (5)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
"أهدي هذا الكتاب للقراء - وللدارفوريين بشكل خاص - كهدية من صديق في زمن عصيب" ر. س. أوفاهي.
*****
أقدم فيما يلي ملخصاً لما ورد في الفصل الخاص بـ:
- الفترة التي تلت معركة منواشي
- المهدية في دارفور
- استعادة السلطنة
- الإصلاحات الدينية والاجتماعية في عهد السلطان علي دينار
أم كويكية
كانت معركة منواشي بين قوات الحكم التركي المصري وقوات سلطنة دارفور في 25 أكتوبر 1874م ، والتي قتل فيها السلطان إبراهيم قرض ، هي النهاية لوجود دولة كيرا الإفريقية المسلمة المستقلة التي تعود نشأتها إلى منتصف القرن السابع عشر، والتي هي امتداد لدولة سودانية إفريقية عريقة ترجع جذورها إلى القرن الثاني عشر. ومنذ 1874م وحتى اندلاع الثورة المهدية في 1882م كانت دارفور نظرياً جزءاً من السودان التركي المصري؛ غير أن فكرة السلطنة ظلت حية في جبل مرة وفي أرض دارفور طوال تلك السنوات. ولقد شهدت السنوات التي تلت سقوط سلطنة دارفور مقاومة بطولية لإبقاء جذوة السلطنة متقدة؛ كما شهدت من الناحية الأخرى الرعب والتخريب الذي قامت به قوات الحكم التركي المصري لقهر تلك المقاومة. ويشار في الأدب الدارفوري إلى تلك السنوات بـ "أم كويكية" ، لأنها تميزت بنيران السلاح، وقطع الطرق، والبؤس المستشري - خاصة مع إفلاس الإدارة واستغراقها في الحروب المستمرة .
المهدية في دارفور
للمهدية في دارفور تاريخ معقد ومتعدد الجوانب. فمن الملاحظ أنه لم تكن للمهدية جاذبية كبيرة وسط المجتمعات غير العربية في دارفور ، وربما يكون عامل اللغة أحد أسباب ذلك. سبب آخر هو عدم تغلغل الصوفية الجديدة وسط المزارعين المستقرين . ونتيجة لذلك ظل الفور والمساليت يعيشون في عالمهم الخاص بدون تأثير كبير، بينما وجدت الدعوة المهدية صدى أكبر وسط الرحل ؛ ولعل ذلك بسبب التأثير الذي كان للطريقة السمانية وسط البقارة؛ وأيضاً الدور المؤثر للأسر الدينية من قبيلة الفولاني الذين انتشرت وسطهم دعوة الجهاد التي أطلقها عثمان دانفوديو في شمال نيجيريا.
يمكن النظر لأهمية المهدية من زاويتين؛ أولاهما أنها أدخلت دارفور في السياسة السودانية، وثانيهما أنها بلورت الانفصام بين مفهومين للإسلام قائمين على "العقيدة المهدوية" من ناحية ، والتقاليد السودانوية (Sudanic Tradition ) من الناحية الأخرى- أي بين نظرة شاملة (ولا نقول شمولية) للإسلام تقيم وزناً لدور الإسلام في المجتمع؛ وبين فهم للإسلام متوافق مع المحيط المحلي. ولقد جرت المهدية دارفور نحو السودان - ليس فقط في فترة المهدية - بل لاحقاً أيضاً في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي. على النقيض من ذلك كانت العقيدة السودانوية مسئولة عن بروز دولة جديدة، ألا وهي سلطنة المساليت، والتي كانت القوة الدافعة وراء النجاح في استعادة سلطنة كيرا تحت قيادة السلطان علي دينار.
السلطان علي دينار
بينما كان كتشنر يقترب من أم درمان في أغسطس 1898م، كان علي دينار يخطط للعودة إلى دارفور . وبعد أن تمكن من الهرب من أم درمان - التي بقي فيها لست سنوات -، اتجه جنوباً حتى وصل إلى الترعة الخضراء ( منطقة شمال كوستي)، حيث استولى هو ومناصروه على بعض الجمال التي تخص الخليفة، ثم اتجه غرباً نحو كجمر، التي كان ينتظره فيها عدد من أنصاره من دارفور. لم تكن تلك الخطوة التي أقدم عليها علي دينار اندفاعاً معزولاً، بل كانت خطوة محسوبة ومنسقة مع أنصاره؛ فقد انضمت إليه مجموعات من الأعيان الذين كانوا يمثلون جزءاً هاماً من مؤسسة السلطنة القديمة. بعد أقل من شهرين من وصوله إلى دارفور ، وفي أكتوبر 1898م ، تمكن علي دينار من إحكام سيطرته على الفاشر . واستندت سياسته في السنوات الأولى على مرتكزين ، أولهما فرض سلطته على أوسع نطاق ممكن في دارفور ؛ وثانيهما اتقاء شر ونجت وكتشنر وسلاطين في الخرطوم.
يصف المؤلف حكم السلطان علي دينار - مقارنة مع حكم أجداده السلاطين السابقين- بأنه كان حكماً أوتوقراطياً؛ لكنه يوجد له المبرر في ذلك ، إذ أن حالة الفوضى التي كانت تعيشها دارفور آنذاك يستحيل معها استعادة السلطة المنظمة التي كانت قائمة في السلطنة القديمة ما بين ليلة وضحاها. المقربون من السلطان علي دينار وصفوه بقوة العزيمة وبالصرامة. مثل تلك السمات الشخصية، ممزوجة بضرورات الأمر الواقع، مثلت الخلفيات التي قام عليها منهجه في إدارة دولته - والتي حكمها حكماً مباشراً. ولتعزيز سلطته كسلطان حرص على التواصل مع الماضي. ولقد دفعته تهديدات الدعوات الدينية إلى انتهاج سياسات دينية متناقضة نوعاً ما. فمن ناحية - ولمحاربة الدعوة المهدية التي نفذت إلى أعماق المجتمع- لجأ علي دينار إلى فرض العقيدة الدينية؛ بينما من الناحية الأخرى نسب إلى نفسه خاصية الولي ، وشيئاً من القدسية.
كان من الأولويات الواضحة للسلطان علي دينار إيجاد نظام قضائي فعال يستطيع أن ينظر في القضايا المتراكمة والعالقة من فترة المهدية والفترة التي سبقتها. وخلافاً للتقاليد التي كانت سائدة في السلطنة قبل 1874م، عين السلطان علي دينار قاضي قضاة ( هو القاضي إدريس عبد الله، الذي استمر في منصب قاضي عموم دارفور حتى عام 1916م). كذلك أدخل السلطان علي دينار إصلاحات في النظام الضرائبي، كما كانت له إصلاحات في المجال العسكري أيضاً. كان علي دينار مجدداً؛ غير أنه في سعيه المتواصل لإعادة تأسيس دولته، ظل في جميع الأمور يجمع ما بين القديم والجديد؛ وكان أكثر تأصيلاً في سياساته الدينية .
إحياء الدين
عاش سلاطين دارفور السابقون تحيط بهم طقوس مستمدة من تقاليد الفور بأكثر من كونها مستمدة من الإسلام. غير أن علي دينار كان رافضاً للإسلام السهل الذي اتبعه أجداده ، والقائم على (التخليط)؛ كما كان معارضاً للمهدية. كان النهج الذي يفضله هو ذلك النهج الذي يجمع ما بين إسلام المؤسسة - مثل الإسلام الذي يسانده الأزهر، والذي يخضع المؤسسة الدينية للدولة- وبين الإسلام الصوفي. تكمن أهمية المهدية الرئيسية بالنسبة لعلي دينار في أنها قادته إلى صياغة سياسة دينية داخلياً وخارجياً، وإلى تقديم تفسير لماضي دارفور يصب في مصلحة السلطان العثماني.
تأثرت الإدارة في السنوات الأولى من حكم السلطان علي دينار بأساليب المهدية، حيث ظل الكتبة والسكرتاريون المتوارثون من سلطات المهدية يستخدمون بعض عبارات الترحيب المهدوية ، مثل (الحبيب). ومن الإبداعات الجديدة للسلطان علي دينار دعوى انتسابه للعباس، واعتماد ذلك في الألقاب الرسمية؛ بينما لم يكن السلاطين السابقون يشيرون إلى ذلك النسب إلا بشكل مبهم؛ كما لم يضمنوه أبداً في وثائقهم ، حتى وهم يستخدمون ألقاباً مملوكية أو عثمانية مثل: "خادم الحرمين الشريفين" ، أو "سلطان البرين والبحرين".
تضمن برنامج السلطان علي دينار لإعادة البناء السيطرة المحكمة على (الفقرا) في مملكته، والذين كان يعاملهم كأنهم أعضاء في طريقة صوفية هو شيخها. وكان (الفقرا) في كل منطقة منظمين تحت (مقدوم) مسئول عنهم . ومن السياسات الدينية للسلطان علي دينار إقامته علاقات مع العالم الإسلامي الخارجي ؛ فلقد كانت له صلات وثيقة ومراسلات منتظمة مع العديد من المدارس الصوفية الجديدة - وبشكل خاص السنوسية والختمية والإسماعيلية. كانت الصلات مع السنوسية مهمة لذاتها، وذلك لأنها تفتح القنوات مع العثمانيين؛ وتضمنت رسائله إلى السيد المكي، شيخ الطريقة الإسماعيلية بالأبيض، وصفاً لجهوده الرامية للتمكين للدين في دولته؛ وفي رسائله للسيد علي الميرغني ظل السلطان علي دينار يفصح بحرية عن سخطه عن ما يراه من ازدواجية في الحكم الثنائي. وفي عهد السلطان علي دينار أصبحت الطريقة التيجانية أكثر رواجاً وانتشاراً في دارفور. ولقد ظلت الفاشر تستقبل وتستضيف بكرم وحفاوة أبرز قادة الطريقة التيجانية وأكبرهم مكانة في غرب إفريقيا.
من علامات الاستقامة الدينية للسلطان علي دينار إرساله المحمل إلى مكة لكسوة الكعبة؛ ومواصلته تقديم المساندة لرواق دارفور في الأزهر. ومن الإيماءات الأخرى في هذا الجانب، إرساله نسخة من موجز تاريخ حياته لمكتبة دار الفلاح بمكة؛ ونشره في مطبعة السودان بالخرطوم "ديوان المديح في مدح النبي المليح".
الإعداد لغزو دارفور
في عام 1915م كان حاكم عام السودان رينالد ونجت يضغط على حكومتي مصر وبريطانيا للإذن له بأن "يقضم" دارفور قبل أن يفعل ذلك الفرنسيون الذين كانوا يحومون حول حدود دار مساليت. ينتقد المؤلف المبررات التي ظل يسوقها البريطانيون لغزو دارفور في عام 1917م ( ويذكر أن ما أورده بروفسور ثيوبولد عنها ناتج من تأثره بوجهة النظر البريطانية). ويعزي المؤلف ما ظلت تروج له أجهزة الدعاية الحكومية عن قسوة السلطان علي دينار وقهره للفقراء، إلى رغبة تلك الأجهزة في تكوين صورة انطباعية سلبية تبرر الغزو؛ ولا يوجد سند للقصص الساذجة التي كانت تروج لها أجهزة الدعاية ( مثل الفرية عن مصير الطفل الوليد الذي أسماه والداه على اسم السلطان). يذكر المؤلف أنه يستبعد أن يكون ونجت شخصياً مقتنعاً بمثل ذلك الهراء.
من جانبه، وفي ظل أجواء الدعاية والدعاية المضادة، كان السلطان علي دينار- من منطلق معارضته للحكومة- يخاطب ونجت بـ "سن النار" بدلاً من السردار! وفي إحدى رسائله لونجت عبر علي دينار عن اعتزازه بنفسه، وافتخاره بمكانته كسلطان، وبمجده العريق؛ حيث جاء فيها:
"إنني بفضل الله سلطان وابن سلطان؛ ولقد ورثت المملكة بحق من أجيال.. وأنا - بمشيئة الله العظيم- أجلس الآن على عرش آبائي وأجدادي".
بقية القصة معروفة ؛ فقد غزا البريطانيون دارفور، وذبحت قوات دارفور في موقع المعركة بالقرب من الفاشر .. وتمت محاصرة السلطان علي دينار وقتله في نوفمبر 1916م.
هكذا انتهت سلطنة كيرا.. غير أنها انتهت بشرف.
*****
عرض لكتاب "تاريخ سلطنة دارفور"
لمؤلفه بروفسور ر. س. أوفاهي (6)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
في هذه الحلقة عرض لجانب من أفكار المؤلف ذات الصلة بالحاضر، والتي وردت في الفصل الأخير من الكتاب .
الفكرة الأساسية التي يستند عليها المؤلف في تحليله ، هي تميز دارفور عن بقية أجزاء السودان .. فدارفور كفكرة وكهوية كانت موجودة منذ 1570م – إن لم يكن قبل ذلك . بينما لأغلب مثقفي شمال السودان ، فإن السودان الحديث يتمركز في أراضي سلطنة الفونج (حوالي 1504 – 1821م) ، وهي أراضي وادي النيل جنوب أسوان إلى منطقة الجزيرة بين النيلين الأزرق والأبيض حتى مناطق البجا في شرق السودان، أسوة بشرق كردفان التي لها تداخل حميمي منذ قرون مع وادي النيل.
يتمثل جوهر هوية السودان الحديث في أن النخبة من حكامه الحاليين انحدروا من أيام الفونج ، عبر الحكم التركي المصري (1821 – 1882م)، ثم انتصارات المهدية التي لم تدم طويلاً (1882-1898م ) ، ثم الحكم الثنائي البريطاني المصري البيروقراطي (1898 – 1956م) . وبعكس ذلك كانت صلات دارفور بوادي النيل متقطعة ومتفرقة ، فيما عدا الفترة القصيرة نسبياً الفترة التي هيمنت فيها دارفور على كردفان ( 1785 – 1821م.( في القرن التاسع عشر جعلت علاقات الدين واللغة والاقتصاد دارفور أكثر قرباً من السودان النيلي.
يوجه المؤلف نقداً لفترة الحكم البريطاني لدارفور (1916-1956م) ، التي لم يهتم فيها الحكام البريطانيون بإحداث أي قدر يذكر من التنمية والتحديث في الإقليم؛ حيث انصب اهتمامهم بالحكم والإدارة ( السيطرة على الضرائب – سلطة حكم الإعدام – سلطة تعيين وفصل الزعماء المحليين ) . لذا فقد كان للحكم البريطاني تأثير سلبي غير مباشر بعيد المدى على دارفور . فالهياكل الحديثة التي أسسوها في وسط السودان ، والمتمثلة في المؤسسات السياسية والاقتصادية والتعليمية (المدارس والجامعة والسكة حديد ومشروع الجزيرة، وبروز نخبة من المتعلمين جذورهم في المناطق النيلية) لم ينال دارفور منها شيء؛ بل كانت لها تأثيرات سلبية كبيرة عليها ، إذ تم التجاوب معها بهجرة الدارفوريين ، هرباً من الضرائب ، أو للعمل في مشروع الجزيرة، أو العمل في مدن وسط وشمال السودان .
لم يحدث الاستقلال الرسمي في أول يناير تغييراً سوى أن حلت نخبة من الإداريين السودانيين من شمال السودان محل الإداريين البريطانيين . غير أن المؤلف يشير إلى بعض النواحي التنموية التي شهدتها دارفور بعد الاستقلال، من بينها امتداد خط السكة حديد إلى نيالا في عام 1959م ؛ وتأسيس مشروع جبل مرة كمحاولة لإدخال مشاريع نقدية (التبغ والفواكه) ، ولكن بنجاح محدود.
من مشكلات الحكم الرئيسية التي يبرزها المؤلف أن القرارات الخاصة بدارفور كانت تتخذ من الخرطوم سواء من قبل الحكام البريطانيين أو الإداريين السودانيين الذين خلفوهم. . ويلخص المؤلف حالة عدم الاهتمام المتأصلة بدارفور ، أنه في العهود الديمقراطية تتمثل أهميتها في أصوات الناخبين ؛ أما في العهود غير الديمقراطية فإن أهميتها تكون في إطار السياسة الإقليمية بين تشاد وليبيا والسودان .. ومن قناعات المؤلف أن دارفور كانت بدون شك أكثر ثراء ، وأفضل إدارة تحت حكم سلاطين القرن التاسع عشر مقارنة بحالة الجمود والتهميش من قبل الحكام البريطانيين والإداريين السودانيين.
يشير المؤلف إلى بداية سيادة التذمر الناتج من التهميش وضعف التنمية ، وبروز حركة سياسية (أساساً وسط الفور) قوامها الجنود المتقاعدون ؛ وتأسيس جبهة نهضة دارفور في عام 1966م ، والتي كان قوامها بعض زعماء دارفور ومجموعة صغيرة من طلاب دارفور بالخرطوم . . وفي بداية التسعينات أصبحت المناطق الريفية خارج السيطرة، حيث انهارت أي إدارة فعالة فيما عدا المدن الرئيسية.. وفي هذا الإطار تطورت عملية تسييس الصراع . يمضي المؤلف في تحليل الأسباب الرئيسية وراء الأزمة الحالية في دارفور وهو يحصرها في:
- العامل السكاني
حيث تشير التقديرات إلى ارتفاع عدد سكان دارفور من مليون ونصف في عام 1956م إلى ستة مليون ونصف حالياً.
- العامل الإيكولوجي
التصحر وتعرية التربة وفقدان خصوبة الأرض ، مما قاد إلى تأجج الصراع حول الأرض ( الأبالة ليست لهم ديار معروفة ، ومن لهم ديار لا يرون سبباً لتركها لآخرين).
- الشرعية
فشلت الحكومة في الخرطوم في تأسيس شرعية؛ حيث أنها ورثت من البريطانيين شرعية لم تكن في الأصل موجودة.
يشير المؤلف إلى أنه قد برز في الفترة الأخيرة الإقرار بالحاجة إلى حوار دارفوري دارفوري، على أمل أن يتوصل الدارفوريون من خلاله إلى اتفاق فيما بينهم . غير أنه يرى أن ذلك سوف لن يكون أمراً سهلاً، نظراً لأن القيادات القبلية التقليدية (الإدارة الأهلية) - رغم استعادتها بعد سقوط حكم النميري في 1985م- إلا أنه لم تعد لها نفس السلطة والشرعية التي كانت تتمتع بها قبل 1971م؛ خاصة وقد أصبحت التعيينات تتم من الخرطوم وفقاً لاعتبارات سياسية. يضاف إلى ذلك تعاظم المشكلات الإيكولوجية ؛ والانقسامات العميقة بين القيادات الشابة في "حركات" دارفور ، وافتقادهم للبرامج والسياسات الواضحة.
يذكر المؤلف أنه حتى الآن لم تتم إثارة فكرة استقلال دارفور من أي جهة ؛ غير أنه، إذا ما استمرت الأحوال في التدهور، فربما تبرز إلى المقدمة؛ وسوف يكون النفط الذي بدأ اكتشافه في دارفور عاملاً في هذا الاتجاه. ومن قناعات المؤلف أن دارفور المستقلة ذاتياً في إطار السودان العريض يمكن أن تكون شريكاً قيماً ؛ ولكن فقط في حالة الإبقاء على ذاتيتها وتطويرها.
إن المأساة الإنسانية المرعبة التي تجري الآن في دارفور تتم في ظل بيئة هشة، ومن الصعب جداً وقف تدهورها. غير أن المؤلف يرى أنه ليس محكوماً على دارفور الفشل ؛ إذ أن الدارفوريين - ببعض المساعدة الخارجية - يستطيعون أن يتوصلوا إلى اتفاق فيما بينهم ، خاصة إذا كانت الحكومة مستعدة أن تكون أكثر إيجابية.
**********************
Subscribe to:
Posts (Atom)