عرض لكتاب "تاريخ سلطنة دارفور"
لمؤلفه بروفسور ر. س. أوفاهي (1)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
صدر في صيف عام(2008م) عن دار هيرست ( لندن) كتاب " تاريخ سلطنة دارفور" - باللغة الإنجليزية - لمؤلفه بروفسور ر. س. أوفاهي – أستاذ التاريخ بكلية دراسات الشرق الأوسط وإفريقيا بجامعة بيرقن بالنرويج.
يغطي الكتاب الفترة 1650 – 1916م ، وهو مؤسس على الكتاب السابق للمؤلف بعنوان " الدولة والمجتمع في دارفور " الذي صدر عام 1980م ، مع إضافة بعض البحوث العلمية التي قام بها المؤلف لاحقاً؛ وأيضاً (كما يذكر المؤلف) مع التوسع والتعديل في التفسيرات السابقة .
الطبيعة التاريخية والأكاديمية للكتاب تنأى به عن محور وأبعاد الأزمة الإنسانية المعاصرة في دارفور ، والتي أبرزت الإقليم إلى دائرة الضوء عالمياً ؛ وهو واحد من أفضل المراجع في موضوع تاريخ دارفور ، إذ أنه إضافة توثيقية ثرية لذلك التاريخ . أما لمن أراد استيعاب الخلفيات التاريخية التي تعين على فهم الصراع القائم حالياًً ، فالكتاب أيضاً يمثل مرجعاً لا غنى عنه ؛ إذ أنه يعكس معرفة لا تجارى وفهماً متعمقاً لتاريخ دارفور ؛ وهو ثمرة أربعين سنة من الأبحاث ، ظل المؤلف خلالها ينقب في ذلك التاريخ (منذ العام 1968م).
يذكر المؤلف أنه ينوي أن يلحق بهذا الكتاب مجلدين إضافيين ، أحدهما عن " دارفور والبريطانيين " كمرجع أولي مع مقدمة ؛ والثاني كمقالة تفسيرية عن " الدولة في تاريخ السودان " .
يغطي الكتاب الفترة 1650 – 1916م من تاريخ سلطنة دارفور ، ويبحث في تأثير القوى الخارجية على السلطنة ، مع التركيز بشكل أساسي على النخب الحاكمة في دارفور - بما فيها السلاطين ، ونساء البلاط ، ورجال الدين ، والتجار ، وغيرهم من الأفراد في مواقع السلطة .
يذكر المؤلف أن الكتاب سجل للتاريخ والثقافة في سلطنة دارفور بكل تنوعها وتعقيدها وثرائها ؛ أما دراسة التاريخ الاجتماعي ، والأجناس ، والبيئة ، والتاريخ المحلي ، فهي موضوعات ينبغي أن تشكل أجندة المستقبل . وقد شرعت جامعات دارفور الثلاث بالفعل في دراسة تلك الموضوعات.
لا أود في هذا المقال الموجز استعراض ما احتوى عليه هذا السفر التاريخي القيم، وأرجئ ذلك إلى مقالات قادمة بإذن الله ؛ وأكتفي الآن بملخص موجز يغطي فقط رؤوس أقلام لما اشتملت عليه فصول الكتاب .
يتناول الجزء الأول : الجغرافيا والتقسيمات الإثنية ؛ ويصف تكوينات دويلات الداجو وتنجر وكيرا ، وتوسع دولة كيرا ؛ وتأسيس الفاشر ؛ وضم كردفان ؛ وعلاقات دارفور الخارجية ؛ وعلاقاتها مع وداي ؛ وفقدان كردفان ؛ والحروب ضد الرحل .
في الجزء الثاني : وصف للسلطان - الفاشر - الطقوس السلطانية- تسلسل انتقال السلطة - النخبة -الأرض والامتيازات - السلطان والمواطنين - الحكومة والمجتمع (حدود سلطة الدولة - الحروب - الضرائب - القانون والعدالة - الإسلام والدولة والمجتمع - الفقرا والصوفية) – الحملات التجارية - أنماط التجارة – سلب الرقيق- كوبي ودرب الأربعين .
بينما يتناول الجزء الثالث : نهاية استقلال السلطنة ( معركة إخضاع دارفور 1873-1874م ؛ بداية المقاومة ؛ المهدية في دارفور ؛ استعادة السلطنة : علي دينار 1898 - 1916م ) .
ذكر المؤلف أن من أسباب توقفه في الكتابة عن تاريخ دارفور عند العام 1916م ، أن ذلك العام هو الذي أسدل فيه الستار نهائياً عن فترة استقلال دارفور كدولة دامت عدة قرون . والسبب الثاني الذي ذكره هو عدم جدوى تناول فترة الحكم البريطاني لدارفور (1916 – 1956م ) ، لا سيما بعد فقدان حوالي الستمائة ملف التي كانت محفوظة في الفاشر في سبعينيات القرن الماضي ( والتي كان هو المؤرخ الوحيد الذي اطلع عليها ونهل منها عندما كانت مكتملة ) . يصف المؤلف أن تلك الملفات احتوت على مادة ثرية ومدهشة ؛ غير أن اهتمامه عندما اطلع عليها عام 1970م كان منصباً على ما حوته عن الفترة التي سبقت فتح بريطانيا لدارفور .
يشير المؤلف بتحسر إلى الإهمال والتخريب المتعمد (أحيانا) الذي تعرضت له وثائق دارفور . وهو يشكر الحظ المجرد الذي هيأ له الفرصة في عام 1970م لتصوير أربعمائة وثيقة ذات صلة بالسلاطين والسلطنة ، يرجع تاريخها إلى الفترة 1700 – 1916م ؛ وذلك بفضل المساعدة المقدرة من الملك رحمة الله الدادنقاوي ، والذي كان وقتها رئيس المحكمة الأهلية بالفاشر .
وغير معلوم كم من تلك الوثائق الأصلية الأخرى (التي لم يطلع عليها) يكون قد أمكن إنقاذها في ظل المآسي الحالية . وهو يؤكد أن هناك جزءاً قد تمت إبادته عمداً ، ويأسف لأن أصبحت الوثائق جزءاً من الصراع .
المصادر
اعتمد المؤلف على مصادر عديدة ، من بينها مصادر شفوية ، ووثائق ومخطوطات عربية ، ومواد إرشيفية ، وأطروحات أكاديمية ، ودراسات لم تنشر ، وأدبيات الرحالة ، وأدبيات ثانوية أخرى . وهو يشيد بشكل خاص بالمادة المفيدة التي كتبها كل من المؤرخ السوداني محمد عبد لرحيم ، وآركل ، اللذين قاما بتسجيل التقاليد المركزية لسلطنة دارفور . وهو يثمن بشكل خاص الجهد المضني الذي بذله المؤرخ محمد عبد الرحيم ( والذي وصفه بصاحب العزيمة التي لا يصيبها الفتور والكلل ) ، ويشير إلى مخطوطه المفيد " الدر المنثور في تاريخ العرب والفور " .
يذكر المؤلف أنه سيودع صوراً أكبر عدد من الوثائق ( ما كتبه ، وما جمعه من مخطوطات نادرة قام بتصويرها) على شبكة المعلومات العالمية ؛ تحت الموقع
http://www.smi.uib.no/darfur/ ؛ وهو موقع يحتوي سلفاً على ثروة من الوثائق.
صلات المؤلف بدارفور والدارفوريين
امتدت الفترة النشطة لأبحاث بروفسور أوفاهي عن دارفور من 1966 – 1980م ، حيث ظل أثناءها يقوم بزيارات لدارفور تمتد ما بين شهرين أو ثلاثة في كل من الأعوام 1969 ، 1970 ، 1974 ، 1976 ، و 1977م . لكن اهتمام المؤلف بماضي وحاضر دارفور لم ينقطع ، حيث واصل كتابة المقالات عن تاريخها ، ونشر الوثائق التي سبق أن قام بتصويرها أثناء زياراته الميدانية لها .
تجددت صلة المؤلف بدارفور في أواخر عام 2004م عندما تمت دعوته لمؤتمر بالخرطوم عن أزمة دارفور نظمته جامعة السلام التابعة للأمم المتحدة . تبع ذلك توقيعه عقداً استشارياً مع بعثة الأمم المتحدة في السودان (UNMIS) . وسبق له أن شارك في عام 1996م في مفاوضات أبوجا كخبير لمنظمة الوحدة الإفريقية . وقام مؤخراً - كمستشار للبنك الدولي - بإعداد تقارير عن بعض الموضوعات ، مثل حكم القبائل ، وملكية الأرض في دارفور .
يحظى بروفسور أوفاهي باحترام واسع ومودة وسط الشباب الدارفوريين والزعماء التقليديين بدارفور ، الذين يرون فيه تمثيلاً لذاكرتهم التاريخية التراكمية. كما أنه إلى جانب هذا التقدير الشعبي يحظى بالتقدير الرسمي كذلك، حيث تم تكريمه في عام 1993م من قبل حكومة شمال دارفور ( في احتفال أقيم بمركز التراث الدارفوري بجامعة الفاشر عن أعماله الخاصة بتاريخ دارفور ؛ كما أقيم له احتفال رسمي بمبنى مجلس الشعب قاده والي الولاية). من الطريف أنه بعد ختام ذلك الاحتفال احتفل به أصدقاؤه الدارفوريون بطريقتهم الخاصة في زاوية الطريقة التيجانية ( والتي كان يقودها آنذاك الشاب النشط المرحوم إبراهيم سيدي – الذي درس بكولاك بالسنغال وكان يجيد اللغة الفرنسية ، والذي توفي عام 1999م ) ، حيث استقبلوه بجوقة من الصبيان كانوا ينشدون مدائح الطريقة التيجانية .. وهو يصف تلك اللحظات بأنها مثيرة للعواطف .
وتعبيراً عن التقدير المتبادل بينه وبين أصدقاءه الدارفوريين ذكر في مقدمة كتابه عن " تاريخ سلطنة دارفور" : أنه يهديه لقرائه - وللدارفوريين بشكل خاص - " كهدية من صديق في زمن عصيب" .
كذلك يعبر بروفيسور أوفاهي بإيجابية عن عراقة تاريخ دارفور ، وثقته في مستقبلها بهذه الكلمات :
" أرجو أن أكون قد بلغت شيئاً عن مكانة دارفور وزمانها وأهلها الذين هم أناس أصيلون، وأصحاب تاريخ وهوية ؛ وسوف ينالون مستقبلاً ذا شأن بإذن الله " .
*******
عرض لكتاب "تاريخ سلطنة دارفور"
لمؤلفه بروفسور ر. س. أوفاهي (2)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
*****
النخبة وهرمية السلطة في سلطنة دارفور
"أرجو أن أكون قد بلغت شيئاً عن مكانة دارفور وزمانها وأهلها الذين هم أناس أصيلون، وأصحاب تاريخ وهوية ؛ وسوف ينالون مستقبلاً ذا شأن بإذن الله " ) .بروفسور ر. س. أوفاهي)
أقدم فيما يلي تلخيصا لما ورد في الفصل الذي يتناول فيه المؤلف بالتعريف والشرح والتحليل وضع النخبة في سلطنة دارفور :
المقدوم
شعر سلاطين القرن التاسع عشر في سلطنة دارفور بالحاجة إلى مفوضين متجولين يضطلعون بالإشراف على وحدات إدارية أكبر من المديريات (التي كانت معروفة آنذاك). ومن ثم كان تعيين المقدومين ( مفردها مقدوم) . ولقد أصبح بعض هؤلاء جزءاً من نظام السلطنة المؤسسي، لدرجة أن أصبح لقب "المقدوم" متوارثاً . غير أنه بعد استعادة السلطنة، رأى السلطان علي دينار ضرورة زيادة فعالية النظام الإداري، فلجأ إلى تعيين مناديب بدلاً من المقدومين.
لمؤلفه بروفسور ر. س. أوفاهي (1)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
صدر في صيف عام(2008م) عن دار هيرست ( لندن) كتاب " تاريخ سلطنة دارفور" - باللغة الإنجليزية - لمؤلفه بروفسور ر. س. أوفاهي – أستاذ التاريخ بكلية دراسات الشرق الأوسط وإفريقيا بجامعة بيرقن بالنرويج.
يغطي الكتاب الفترة 1650 – 1916م ، وهو مؤسس على الكتاب السابق للمؤلف بعنوان " الدولة والمجتمع في دارفور " الذي صدر عام 1980م ، مع إضافة بعض البحوث العلمية التي قام بها المؤلف لاحقاً؛ وأيضاً (كما يذكر المؤلف) مع التوسع والتعديل في التفسيرات السابقة .
الطبيعة التاريخية والأكاديمية للكتاب تنأى به عن محور وأبعاد الأزمة الإنسانية المعاصرة في دارفور ، والتي أبرزت الإقليم إلى دائرة الضوء عالمياً ؛ وهو واحد من أفضل المراجع في موضوع تاريخ دارفور ، إذ أنه إضافة توثيقية ثرية لذلك التاريخ . أما لمن أراد استيعاب الخلفيات التاريخية التي تعين على فهم الصراع القائم حالياًً ، فالكتاب أيضاً يمثل مرجعاً لا غنى عنه ؛ إذ أنه يعكس معرفة لا تجارى وفهماً متعمقاً لتاريخ دارفور ؛ وهو ثمرة أربعين سنة من الأبحاث ، ظل المؤلف خلالها ينقب في ذلك التاريخ (منذ العام 1968م).
يذكر المؤلف أنه ينوي أن يلحق بهذا الكتاب مجلدين إضافيين ، أحدهما عن " دارفور والبريطانيين " كمرجع أولي مع مقدمة ؛ والثاني كمقالة تفسيرية عن " الدولة في تاريخ السودان " .
يغطي الكتاب الفترة 1650 – 1916م من تاريخ سلطنة دارفور ، ويبحث في تأثير القوى الخارجية على السلطنة ، مع التركيز بشكل أساسي على النخب الحاكمة في دارفور - بما فيها السلاطين ، ونساء البلاط ، ورجال الدين ، والتجار ، وغيرهم من الأفراد في مواقع السلطة .
يذكر المؤلف أن الكتاب سجل للتاريخ والثقافة في سلطنة دارفور بكل تنوعها وتعقيدها وثرائها ؛ أما دراسة التاريخ الاجتماعي ، والأجناس ، والبيئة ، والتاريخ المحلي ، فهي موضوعات ينبغي أن تشكل أجندة المستقبل . وقد شرعت جامعات دارفور الثلاث بالفعل في دراسة تلك الموضوعات.
لا أود في هذا المقال الموجز استعراض ما احتوى عليه هذا السفر التاريخي القيم، وأرجئ ذلك إلى مقالات قادمة بإذن الله ؛ وأكتفي الآن بملخص موجز يغطي فقط رؤوس أقلام لما اشتملت عليه فصول الكتاب .
يتناول الجزء الأول : الجغرافيا والتقسيمات الإثنية ؛ ويصف تكوينات دويلات الداجو وتنجر وكيرا ، وتوسع دولة كيرا ؛ وتأسيس الفاشر ؛ وضم كردفان ؛ وعلاقات دارفور الخارجية ؛ وعلاقاتها مع وداي ؛ وفقدان كردفان ؛ والحروب ضد الرحل .
في الجزء الثاني : وصف للسلطان - الفاشر - الطقوس السلطانية- تسلسل انتقال السلطة - النخبة -الأرض والامتيازات - السلطان والمواطنين - الحكومة والمجتمع (حدود سلطة الدولة - الحروب - الضرائب - القانون والعدالة - الإسلام والدولة والمجتمع - الفقرا والصوفية) – الحملات التجارية - أنماط التجارة – سلب الرقيق- كوبي ودرب الأربعين .
بينما يتناول الجزء الثالث : نهاية استقلال السلطنة ( معركة إخضاع دارفور 1873-1874م ؛ بداية المقاومة ؛ المهدية في دارفور ؛ استعادة السلطنة : علي دينار 1898 - 1916م ) .
ذكر المؤلف أن من أسباب توقفه في الكتابة عن تاريخ دارفور عند العام 1916م ، أن ذلك العام هو الذي أسدل فيه الستار نهائياً عن فترة استقلال دارفور كدولة دامت عدة قرون . والسبب الثاني الذي ذكره هو عدم جدوى تناول فترة الحكم البريطاني لدارفور (1916 – 1956م ) ، لا سيما بعد فقدان حوالي الستمائة ملف التي كانت محفوظة في الفاشر في سبعينيات القرن الماضي ( والتي كان هو المؤرخ الوحيد الذي اطلع عليها ونهل منها عندما كانت مكتملة ) . يصف المؤلف أن تلك الملفات احتوت على مادة ثرية ومدهشة ؛ غير أن اهتمامه عندما اطلع عليها عام 1970م كان منصباً على ما حوته عن الفترة التي سبقت فتح بريطانيا لدارفور .
يشير المؤلف بتحسر إلى الإهمال والتخريب المتعمد (أحيانا) الذي تعرضت له وثائق دارفور . وهو يشكر الحظ المجرد الذي هيأ له الفرصة في عام 1970م لتصوير أربعمائة وثيقة ذات صلة بالسلاطين والسلطنة ، يرجع تاريخها إلى الفترة 1700 – 1916م ؛ وذلك بفضل المساعدة المقدرة من الملك رحمة الله الدادنقاوي ، والذي كان وقتها رئيس المحكمة الأهلية بالفاشر .
وغير معلوم كم من تلك الوثائق الأصلية الأخرى (التي لم يطلع عليها) يكون قد أمكن إنقاذها في ظل المآسي الحالية . وهو يؤكد أن هناك جزءاً قد تمت إبادته عمداً ، ويأسف لأن أصبحت الوثائق جزءاً من الصراع .
المصادر
اعتمد المؤلف على مصادر عديدة ، من بينها مصادر شفوية ، ووثائق ومخطوطات عربية ، ومواد إرشيفية ، وأطروحات أكاديمية ، ودراسات لم تنشر ، وأدبيات الرحالة ، وأدبيات ثانوية أخرى . وهو يشيد بشكل خاص بالمادة المفيدة التي كتبها كل من المؤرخ السوداني محمد عبد لرحيم ، وآركل ، اللذين قاما بتسجيل التقاليد المركزية لسلطنة دارفور . وهو يثمن بشكل خاص الجهد المضني الذي بذله المؤرخ محمد عبد الرحيم ( والذي وصفه بصاحب العزيمة التي لا يصيبها الفتور والكلل ) ، ويشير إلى مخطوطه المفيد " الدر المنثور في تاريخ العرب والفور " .
يذكر المؤلف أنه سيودع صوراً أكبر عدد من الوثائق ( ما كتبه ، وما جمعه من مخطوطات نادرة قام بتصويرها) على شبكة المعلومات العالمية ؛ تحت الموقع
http://www.smi.uib.no/darfur/ ؛ وهو موقع يحتوي سلفاً على ثروة من الوثائق.
صلات المؤلف بدارفور والدارفوريين
امتدت الفترة النشطة لأبحاث بروفسور أوفاهي عن دارفور من 1966 – 1980م ، حيث ظل أثناءها يقوم بزيارات لدارفور تمتد ما بين شهرين أو ثلاثة في كل من الأعوام 1969 ، 1970 ، 1974 ، 1976 ، و 1977م . لكن اهتمام المؤلف بماضي وحاضر دارفور لم ينقطع ، حيث واصل كتابة المقالات عن تاريخها ، ونشر الوثائق التي سبق أن قام بتصويرها أثناء زياراته الميدانية لها .
تجددت صلة المؤلف بدارفور في أواخر عام 2004م عندما تمت دعوته لمؤتمر بالخرطوم عن أزمة دارفور نظمته جامعة السلام التابعة للأمم المتحدة . تبع ذلك توقيعه عقداً استشارياً مع بعثة الأمم المتحدة في السودان (UNMIS) . وسبق له أن شارك في عام 1996م في مفاوضات أبوجا كخبير لمنظمة الوحدة الإفريقية . وقام مؤخراً - كمستشار للبنك الدولي - بإعداد تقارير عن بعض الموضوعات ، مثل حكم القبائل ، وملكية الأرض في دارفور .
يحظى بروفسور أوفاهي باحترام واسع ومودة وسط الشباب الدارفوريين والزعماء التقليديين بدارفور ، الذين يرون فيه تمثيلاً لذاكرتهم التاريخية التراكمية. كما أنه إلى جانب هذا التقدير الشعبي يحظى بالتقدير الرسمي كذلك، حيث تم تكريمه في عام 1993م من قبل حكومة شمال دارفور ( في احتفال أقيم بمركز التراث الدارفوري بجامعة الفاشر عن أعماله الخاصة بتاريخ دارفور ؛ كما أقيم له احتفال رسمي بمبنى مجلس الشعب قاده والي الولاية). من الطريف أنه بعد ختام ذلك الاحتفال احتفل به أصدقاؤه الدارفوريون بطريقتهم الخاصة في زاوية الطريقة التيجانية ( والتي كان يقودها آنذاك الشاب النشط المرحوم إبراهيم سيدي – الذي درس بكولاك بالسنغال وكان يجيد اللغة الفرنسية ، والذي توفي عام 1999م ) ، حيث استقبلوه بجوقة من الصبيان كانوا ينشدون مدائح الطريقة التيجانية .. وهو يصف تلك اللحظات بأنها مثيرة للعواطف .
وتعبيراً عن التقدير المتبادل بينه وبين أصدقاءه الدارفوريين ذكر في مقدمة كتابه عن " تاريخ سلطنة دارفور" : أنه يهديه لقرائه - وللدارفوريين بشكل خاص - " كهدية من صديق في زمن عصيب" .
كذلك يعبر بروفيسور أوفاهي بإيجابية عن عراقة تاريخ دارفور ، وثقته في مستقبلها بهذه الكلمات :
" أرجو أن أكون قد بلغت شيئاً عن مكانة دارفور وزمانها وأهلها الذين هم أناس أصيلون، وأصحاب تاريخ وهوية ؛ وسوف ينالون مستقبلاً ذا شأن بإذن الله " .
*******
عرض لكتاب "تاريخ سلطنة دارفور"
لمؤلفه بروفسور ر. س. أوفاهي (2)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
*****
النخبة وهرمية السلطة في سلطنة دارفور
"أرجو أن أكون قد بلغت شيئاً عن مكانة دارفور وزمانها وأهلها الذين هم أناس أصيلون، وأصحاب تاريخ وهوية ؛ وسوف ينالون مستقبلاً ذا شأن بإذن الله " ) .بروفسور ر. س. أوفاهي)
أقدم فيما يلي تلخيصا لما ورد في الفصل الذي يتناول فيه المؤلف بالتعريف والشرح والتحليل وضع النخبة في سلطنة دارفور :
المقدوم
شعر سلاطين القرن التاسع عشر في سلطنة دارفور بالحاجة إلى مفوضين متجولين يضطلعون بالإشراف على وحدات إدارية أكبر من المديريات (التي كانت معروفة آنذاك). ومن ثم كان تعيين المقدومين ( مفردها مقدوم) . ولقد أصبح بعض هؤلاء جزءاً من نظام السلطنة المؤسسي، لدرجة أن أصبح لقب "المقدوم" متوارثاً . غير أنه بعد استعادة السلطنة، رأى السلطان علي دينار ضرورة زيادة فعالية النظام الإداري، فلجأ إلى تعيين مناديب بدلاً من المقدومين.
نساء البلاط السلطاني
كان للنساء دور بارز في بلاط السلطان - سواء كن ميارم (مفردها ميرم) - وهن الأميرات الشابات - أو الحبوبات . وقد كانت الحرية والسلطة التي تتمتع بها نساء البلاط بشكل خاص (والنساء عموماً داخل السلطنة) مثار دهشة الزوار المسلمين. وربما تكون تلك الوضعية المتميزة لنساء البلاط مستمدة من ثقافة الفور السابقة للإسلام، والتي تم إدماجها في بلاط آخذ في الأسلمة بصورة متزايدة. لذلك فإن بعض أنماط السلوك التي قد تكون عادية في قرى الفور تصبح أكثر ملاحظة في البلاط السلطاني. غير أن تلك الحرية الاجتماعية كانت على توافق مع المحافظة على تعاليم الدين. ومثل ما هو عليه الحال في المناطق الريفية كانت النساء هن اللاتي يحافظن على المعتقدات والأعراف التقليدية.
من ألقاب الأميرات
- إيا كوري وهو اللقب الذي يشار به إلى الوالدة ذات النفوذ ، والسيدة الأولى من بين زوجات السلطان.
- إيا باسي وهو لقب الأميرة الأم – الشقيقة الأثيرة للسلطان .
- الحبوبة وهو لقب الملكة الأم .
ومن حيث النفوذ السياسي فإن إيا باسي هي ذات التأثير الأكبر ، والارتباط الأكثر بالسلطان من حيث المشاركة في الحكم وفي المصير أيضاً ؛ فلقد تم إعدام الأميرة زمزم عندما أعدم شقيقها أبو القاسم. وفي فترة لاحقة نجد أن الأميرة تاجا قد اضطلعت بدور بارز في تشجيع وحفز السلطان علي دينار على محاربة الإنجليز.
كذلك كانت الأميرة(إيا باسي) زمزم هي الشخصية المتنفذة في السنوات الأخيرة من فترة حكم شقيقها السلطان محمود الحسين ، بل مكنتها الظروف من أن تصبح الحاكم الفعلي للسلطنة. في عام 1856م (وكان شقيقها السلطان قد فقد نظره)، طافت الأميرة زمزم أرجاء السلطنة وهي تقود رجالها المسلحين، حتى نجحت في أن تحصل من السلطان الواهن على الحواكير التي كانت ترغب فيها. وقد كانت الأميرة زمزم – كغيرها من نساء البلاط – فارسة تجيد ركوب الخيل. وكانت تصدر المراسيم باسمها . ولأنها لم تكن راضية عن التأثير المتنامي للفقيه محمد البلالاوي على شقيقها السلطان - والذي أوهنه المرض - ، فقد تضامنت مع الوزير أحمد شطة للتخلص من ذلك الفقيه ، وإبعاده من دارفور ، وذلك رغم اعتراض السلطان. عند وفاة السلطان امتنعت الأميرة زمزم عن تناول الطعام حتى قضت جوعاً.
الألقاب والمناصب
كانت هناك أشكال معقدة من الألقاب والمناصب تخصص لأفراد العائلة المالكة رجالاً ونساءً ، ولأسر الزعماء ، ولأمراء الحرب ، ولحكام المديريات ، ولخبراء الطقوس ، ولحراس الامتيازات السلطانية والصولجان.
النخبة غير الرسمية
شهد بلاط السلطان في دارفور نشوء نخبة غير رسمية ذات مشارب متنوعة ، وذلك بشكل مختلف عن ما كان مألوفاً في الممالك السودانية (Sudanic Kingdoms)؛ ولعل السبب وراء ذلك هو توظيف مجموعات، ونشوء ظروف جديدة فرضت نفسها على مؤسسة الحكم تجاوباً مع الحاجات والمواقف الجديدة . وقد أدت إستراتيجية الزواج من العائلة المالكة بشكل متزايد إلى إدماج نخب من القبائل والقادة الإقليميين في المركز.
طبقة الكتاب
أدت الحاجة إلى بيروقراطية من المتعلمين ، إلى نشوء طبقة من الكتبة (Scribes)؛ كما أدى التوسع العسكري إلى أن يحل جباة محترفون محل من كانوا يقومون بجباية الضرائب من القبائل بالطرق التقليدية .
التجار
واحدة من فئات النخبة التي يشوبها قدر من الغموض هي فئة التجار؛ وذلك بسبب أن الجزء الأعظم من أنشطتهم - وكذلك أموالهم -، كانت خارج السلطنة.
المحاربون المحترفون
كانت دارفور في بداية القرن التاسع عشر إمبراطورية ممتدة حتى النيل. كما كانت تمتلك ثروات هائلة، وتدير تجارة مزدهرة مع مصر. وقد جذب ذلك الثراء والازدهار أنواعاً من المغامرين - من بينهم المرتزقة. وكان وجود أمثال هؤلاء المحاربين المحترفين المتزودين بتقاليد الفروسية أمراً مألوفاً في إفريقيا السودانية (Sudanic Africa).
طبقة الأرقاء تحتل مواقع مؤثرة
في بداية القرن التاسع عشر بدأ يسيطر على النخبة في البلاط ثلاثة عناصر ، ألا وهي: المنحدرون من طبقة الأرقاء، و(الفقرا)، والتجار.
كان توظيف الأرقاء أمراً مألوفاً في الدول الإسلامية، وذلك حيث أنه يخلق توازناً مع أرستقراطية النبلاء بالوراثة أو نبلاء الأقاليم؛ ولم تكن دارفور استثناء من ذلك. فلقد عمل المنحدرون من طبقة الأرقاء داخل مجمع البلاط السلطاني كحراس وكإداريين؛ بل كان الكثيرون منهم مقربين من السلاطين. كما عملت الإماء كمحظيات؛ وكانت المنطقة المخصصة للحريم يديرها أرقاء من الخصيان . وكان الأرقاء العاملون في البلاط منظمين وفقاً لتسلسل معقد من المجموعات والألقاب. ونبع اهتمام السلاطين بالأفراد الموهوبين من طبقة الأرقاءً من كونهم طيعين أكثر من النبلاء بالوراثة. ولسلاطين كيرا أسبابهم في توخي الحذر، إذ أن اثنين من السلاطين لقوا مصرعهم على أيدي أفراد من أرستقراطية النبلاء.
(الفقرا) - رجال الدين والعلماء
بينما تمتع الأرقاء بذلك الوضع المميز بقربهم من مواقع السلطة المؤثرة، كان (الفقرا) والتجار في وضع أقل مكانة في البلاط. كان يتم تعيين بعض (الفقرا) كقضاة، وتعيين بعضهم الآخر في وظائف متنوعة في بلاط السلطان - مثل تعليم أبناء السلاطين والزعماء، أو العمل كمستشارين قانونيين، أو القيام بأعمال السكرتارية، أو أعمال الوساطة عند حلول الأزمات السياسية.
دائماً كانت توجد حدود لنفوذ (الفقرا). فلقد أحاط السلطان الفقيه الورع محمد الحسين نفسه بعدد من العلماء والمتصوفة، من بينهم محمد بن المختار الشنقيطي (توفي 1881م)، وهو من متصوفة موريتانيا، وينتمي إلى الطريقة التيجانية. وهو الذي قاد السلطان إلى إتباع الطريقة التيجانية، والتي أصبحت منذ ذلك الوقت الطريقة الرئيسية في دارفور. وقد عمل محمد بن المختار أيضاً سفيراً للسلطان في مصر. ومن العلماء المتصوفة أيضاً كان هناك أحمد الدرديري، وهو من عائلة رجال الدين الدواليب بخرسي في كردفان، الذين أصبحوا لاحقاً من أتباع الطريقة التيجانية .
رغم المكانة البارزة (للفقرا) في بلاط السلطان في القرن الثامن عشر، خاصة وأن الكثيرين منهم قد تزوجوا من نساء كيرا، إلا أنهم كانوا دائما في وضع المرؤوسين؛ وذلك لأنه ليست لديهم السلطة التي يتمتع بها الأعيان، ولا الأموال التي يتمتع بها التجار. ويلاحظ أن هناك اختلافاً وتناقضاً واضحا بين تلك المكانة المتواضعة (للفقرا) في بلاط السلطان وبين مكانة نظرائهم في المناطق الريفية من السلطنة، الذين كان نفوذهم يشع من مساجدهم ومناطق استقرارهم حولها. وهو نفوذ مستمد ليس فقط من الرعاية السلطانية، بل من الخدمات المتنوعة التي يؤدونها لمجتمعاتهم، وهي خدمات روحية وتعليمية، وخدمات ذات صلة بالسحر والطب العلاجي.
المؤسسة الدينية والمؤسسة السياسية
إن خضوع المؤسسة الدينية للمؤسسة السياسية هو الأمر السائد في العالم الإسلامي. فقط في أوقات الأزمات والتقلبات السياسية تتمكن القيادة الدينية من لعب دور مستقل. بالمثل كان خضوع التجار للمؤسسة السياسية. غير أنه – تماماً مثل ما كان (الفقرا) في سلطنة دارفور أكثر استقلالية من علماء القاهرة أو بغداد، لأنهم كانوا يعيشون في بيئة تضعهم في المقدمة، ولأنهم يعملون في عالم صوفي؛ كان وضع التجار ضمن النخبة أكثر بروزاً، وذلك بسبب تركيبة الشبكات التجارية التي ساعدت في إكسابهم استقلالية أكبر.
التجارة
من الموضوعات ذات الصلة بمكانة التجار وسط النخبة أن فترة أوج ازدهار التجارة بين دارفور ومصر (1750 – 1860م) كانت عنصراً أساسيا من العناصر التي أدت إلى نشوء مركزية السلطة في سلطنة دارفور. كان اهتمام السلاطين الرئيسي متركزاً في جني الأرباح من تلك التجارة، وليس بالضرورة إدارة الجوانب المرتبطة بها. غير أنه نظراً لأن تنظيم قافلة كبيرة متكونة من آلاف عديدة من الجمال أمر يحتاج إلى موارد ضخمة؛ ولأن استقبال القافلة في مصر كان عملاً لصيقاً بالعمل الدبلوماسي، فقد كانت التجارة والسياسة مرتبطتين برباط وثيق. وطوال تلك الفترة التي شهدت ازدهار التجارة كان السلاطين يتاجرون لحسابهم الخاص بواسطة تجار من العائلة المالكة وخدم تابعين لهم. كان هؤلاء التجار، سواء وكلاء أو أقارب للسلطان أو تجار يقومون بدور الوكلاء، يستخدمون أرباح السلع المباعة في مصر لصالح تجارة السلطان، وكانوا يتمتعون بوضع دبلوماسي.
أوضاع النخبة داخل بلاط السلطان
كانت الحركة التي تكيف أوضاع النخبة داخل بلاط السلطان بعيدة من الهرمية ذات التركيبة الرسمية ، من نوع تلك التي سادت في الدويلات السودانية. فالنخبة في سلطنة دارفور أقرب ما تكون إلى نخبة فضفاضة قوامها مجموعات المصالح التي تعمل في إطار متنامي البيروقراطية، وهم من المتعلمين؛ وهي بذلك أكثر من كونها تركيبة مستندة على صلات القرابة.
مثل العديد من أوجه تاريخ سلطنة دارفور، فقد انقطع بشكل مفاجئ التطور الطبيعي للسلطنة في العام 1874م - وإن تم استئناف السلطنة في عام 1898م. وكان ذلك الانقطاع واحداً من أعراض إعادة الصياغة الجوهرية للدولة التي تشكلت في القرن التاسع عشر. ومن جوانب تلك الصياغة الجديدة نمو نظام إقطاع الأراضي، وتعيين المقدومين أو المفوضين للإشراف على الرؤساء المحليين في الأقاليم، ونشوء بيروقراطية متنامية التعليم ونظام قضائي. إن وصف هذا التطور بالإسلامي يعني تجاهل الحقائق الاقتصادية والسياسية التي قادت إليه؛ لقد عبر الإسلام عن تلك التغيرات بوضوح لكنه لم يرسبها ويعجل من حدوثها.
المناسبات الوحيدة التي يمكن فيها مشاهدة أدوار سياسية تلعبها النخبة هي مناسبات الأزمات المصاحبة لانتقال الحكم؛ حين يتحول البلاط إلى ساحة يقتتل فيها الناس ويموتون من أجل مصالح قبلية أو فئوية. لم يكن الموت يأتي للخاسرين فقط من المنتصرين، حيث أنه في ذلك المجتمع المسلم ( وللغرابة) كان الانتحار أمراً مألوفاً بين النخبة. ومن أمثلة ذلك الوزير/ علي بن جامي، والمقدوم/ عبد السيد، والوزير/ عبد الباري، والإية باسي/ زمزم؛ جميع هؤلاء أنهوا حياتهم بأنفسهم إثر الفشل السياسي أو العسكري.
********
عرض لكتاب "تاريخ سلطنة دارفور"
لمؤلفه بروفسور ر. س. أوفاهي (3)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
نهاية استقلال سلطنة دارفور (1)
- تنامي قوة الزبير باشا وسيطرته على بحر الغزال
- دعم الخديوي إسماعيل للزبير
- محاولة كسب مساندة الرزيقات لضمان المرور الآمن لدارفور
في الجزء الثالث من الكتاب وتحت عنوان (نهاية الاستقلال) يلقي الكاتب الضوء على بعض الجوانب الهامة والتفاصيل المرتبطة بغزو دارفور (1873 – 1874م)؛ معلقاً أن غزو دارفور في عام 1874م من قبل الزبير باشا لم يكن فقط بداية النهاية لوجود سلطنة دارفور كدولة مستقلة ذات تاريخ متصل منذ القرن السادس عشر، بل كان أيضاً نقطة تحول في تاريخ السودان الحديث.
فعلى الرغم من المقاومة البطولية لحكام (كيرا) خلال سبعينات وثمانينات القرن التاسع عشر، ورغم أن آخر سلاطينها- علي دينار بن زكريا قد تمكن رسمياً من استعادة السلطنة في الفترة ما بين أعوام 1898-1916م، إلا أن دارفور بعد عام 1874م ظلت في نظر من حكموها من مصريين ومهدوين وبريطانيين وحتى اليوم جزءاً من السودان بكل ما يعنيه ذلك. إن فكرة دارفور ككيان منفصل- دعك عن استقلالها- لم تدخل الساحة الدولية حتى مفاوضات أبوجا التي جرت تحت رعاية الاتحاد الإفريقي في عام 2004م.
يتناول المؤلف خلفية المناخ التاريخي والإقليمي الذي نشأ تحت ظله الزبير باشا، واصفاً الزبير على أنه نتاج التوسع الاستعماري السائد في حينها، والمستفيد من التكنولوجيا الحديثة آنذاك المتمثلة في السفن والبنادق. فلقد بدأت في منتصف خمسينات القرن التاسع عشر موجة من المغامرين الأوربيين والمصريين والشرقيين والسودانيين الذين استخدموا السفن للتحرك عبر روافد الأنهار إلى غرب بحر الغزال ليكونوا شبكات من (الزرائب) أو (الكبانيات)، وجيوش من الأرقاء بهدف استغلال أهم موردين في الإقليم، ألا وهما البشر والأفيال. وكان وراء كل هذا النظام رجل واحد هو الزبير رحمة المنصور.
يذكر الكاتب أن الزبير رجل ذو تصميم عظيم ومقدرة؛ فمنذ مجيئه إلى بحر الغزال سرعانما أسس امبراطورية تجارية قائمة تنظيميا على (الكبانيات)- أي الشركات التجارية-، وجغرافياً على شبكة من المعسكرات المسلحة (الزرائب)، قوامها فرق من (الأرقاء) المسلحين بالسلاح الناري. كانت التجارة الرئيسية هي العاج، وكذلك (الرقيق) للاستعمال الداخلي كجنود، وكعمال يقومون بزراعة الغذاء للمعسكرات؛ كذلك كان يتم تصديرهم للشمال.
بحلول عام 1865م كان الزبير مسيطراً على كامل بحر الغزال، وذلك بعد قتله لجميع منافسيه أو استيعابهم. لكن مع نمو امبراطوريته دخل في نزاع مع الخديوي اسماعيل؛ فلقد أغلقت إجراءات مكافحة الرق المنافذ عبر النيل الأبيض، مما جعل المنافذ البرية إلى الشمال ضرورية. كانت هذه المنافذ تمر عبر مناطق قبائل البقارة، وهي الأراضي الواقعة بين سلطنة دارفور والمناطق التي هي تحت سيطرة الزبير. وقد عقد الزبير اتفاقية مع الرزيقات في مارس 1866م أساسها هو قيامه بدفع رسوم للقبيلة مقابل توفير الحماية والمرور الآمن عبر أراضيهم (وهذه الاتفاقية هي التي أدت بشكل غير مباشر إلى سقوط سلطنة دارفور).
هذا التقنين للشبكات التجارية في المنطقة سدد ضربة كبيرة للقواعد التجارية لسلطنة دارفور. فلقد أصبح الزبير الآن مسيطراً على الخلفية الاقتصادية للسلطنة، وكذلك على منافذ الدخول إليها والخروج منها. وفي عام 1873م انهارت اتفاقية الزبير مع الرزيقات، إذ تمت مهاجمة إحدى قوافله وقتل عدد من أقاربه. وقبل الثأر لتلك الهزيمة، كتب الزبير خمس رسائل للسلطان ما بين يونيو 1873م واغسطس 1874م ؛ وكان هدفه من وراء تلك الرسائل هو تبرير أعماله. في البداية خاطب الزبير السلطان باحترام باسم "خادم الخديوي" (نحن عبيد أفندينا)، الذي كان مستغرقاً في غزو بلاد الفرتيت. ذكر الزبير للسلطان أن مقاصد الدولة المصرية شريفة، وأنه يخاطبه درءاً للفتن بين الدولتين. كذلك ذكّر الزبير السلطان إبراهيم قرض بالعلاقات الطيبة التي كانت قائمة بين والده والخديوي. ركز الزبير في تلك الرسائل على التأكيد على أنه خادم مخلص لحاكم مصر؛ لكنه في نفس الوقت كان يقر بأن دارفور دولة (الدولة الدارفورية).
كانت لهجة رسالة الزبير الثالثة للسلطان أكثر حدة، احتج فيها على عدم قيام السلطان بالرد على رسالتيه السابقتين. كما ذكر في تلك الرسالة أنه عباسي وهاشمي، ولا يقبل التهديد والإساءة؛ وختمها بنصح السلطان بالتسليم للخديوي. بعد شهر من ذلك قام الخديوي بتعيين الزبير مديراً للشاكة وبحر الغزال، ومنحه لقب بك. ربما كان الهدف من وراء ذلك هو تقديم السند له في محاولته هزيمة السلطان، وأيضاً تزويده بالشرعية اللازمة.
غزو السلطنة
استغرق غزو السلطنة فترة عام تقريباً؛ فالمسافة بين الشاكة والفاشر أكثر من 400 كيلومتر؛ كما أن صعوبات الإمداد كانت تحول دون أي حملة سريعة. ولقد عكست الغزوة إجادة الزبير لهذا النوع من الحروب، وكذلك كشفت عن عدم كفاية التنظيم العسكري لسلطنة دارفور.
كانت القوى المتحاربة تفتقر إلى الندية. فمن ناحية كان الزبير قد تمكن خلال ما يقارب العشرين سنة (1856-1873م) من المعارك الصعبة، من تاسيس جيش غير نظامي لا يجارى قوامه قوات الرقيق ، المعروفين بـ (البازنقر) ومؤخراً باسم الجهدية، والذين تم تجنيد معظمهم من قبائل بحر الغزال وما وراءها، وبشكل خاص من قبيلة الزاندي. وكان للعديد من الضباط، مثل النور محمد عنقرة، من الذين خدموا ضمن القوات المصرية، تجارب قتالية. وكان من بين ضباط جيش الزبير عدد من الذين أصبحوا لاحقاً من جنرالات المهدية المشهورين، منهم حمدان أبو عنجة- النور عنقرة- الزاكي طمل- عبد الرحمن النجومي؛ وضابط آخر كان له سجل زاخر في الحروب أكثر من قائده نفسه، ألا وهو رابح فضل الله.
من الناحية الأخرى لم يكن لسلطنة دارفور ما يمكنها من التجاوب مع هذا المستوى من التجربة والممارسة؛ فلقد توقفت السلطنة منذ زمن من السعي لأن تكون قوة توسعية. وجاءت محاولات أحمد شطة والآخرين لتأسيس وحدات عسكرية جديدة مماثلة لقوت (البازنقر) متأخرة جداً. رغم ذلك فقد كانت السلطنة هي من تحرك أولاً، حيث تقدم أحمد شطة بصحبة (صاحب النحاس) سعد النور إبراهيم رماد في دار الرزيقات، وتمكن في ديسمبر 1873م من هزيمة فصيل من قوات الزبير تحت قيادة النور عنقرة. غير أن أحمد شطة- رغم هذا النجاح- رأى أن يكتب خطاباً هادئاً للزبير فيما يبدو أنه محاولة لبدأ مفاوضات معه. لكن أخيراً بتوجيه من السلطان، وضغط من رجاله، هاجم (المقدوم) أحمد شطة الزبير في منطقة ما بين الشاكة ودارة في يناير أو فبراير 1874م؛ غير أنه قتل في المعركة التالية هو وسعد النور، و(المقدوم) عبد الله رنجة، و (الأمين) عبد الباري.
*************
عرض لكتاب "تاريخ سلطنة دارفور"
لمؤلفه بروفسور ر. س. أوفاهي (4)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
- المقاومة الدارفورية
- طلب السلطان إبراهيم قرض السند من الدولة العثمانية
- رسائل الزبير باشا للـ (علماء) في دارفور
- معركة منواشي ومقتل السلطان
-------------
مقدمة
في هذا الجزء من العرض أواصل تقديم ما ورد في كتاب بروفيسور أوفاهي تحت عنوان (نهاية الاستقلال) ، والذي ألقى فيه الكاتب الضوء على بعض الجوانب الهامة والتفاصيل المرتبطة بغزو دارفور (1873 – 1874م)؛ معلقاً بأن غزو دارفور في عام 1874م من قبل الزبير باشا لم يكن فقط بداية النهاية لوجود سلطنة دارفور كدولة مستقلة ذات تاريخ متصل منذ القرن السادس عشر، بل كان أيضاً نقطة تحول في تاريخ السودان الحديث.
احتل الزبير (دارة) في 23 ذي الحجة 1290 هـ، الموافق 11 قبراير 1874م. كانت مع أحمد شطة قوات قليلة نسبياً، هم من فرق (الأرقاء) التي كانت لدي السلطنة، والتي كانت مسلحة ببنادق الرمنقتون؛ بينما بدأ الزبير في جلب تعزيزات معتبرة من (زرائبه) في بحر الغزال حتى بلغ عدد جنوده 7.000 من الرجال المزودين بالسلاح الناري، كما بدأت السلطات التركية المصرية في التحرك.
كانت كل من الخرطوم والقاهرة متابعة لتقدم الزبير بقدر من الانزعاج، وشرعا في اتخاذ إجراءات بهدف إيقاف تقدمه، أو على الأقل سلبه من مكاسبه. في فبراير 1874م أعلن الخديوي إسماعيل الحرب على سلطنة دارفور، وكان الغطاء المبرر لذلك هو "عدوان السلطان، وتصميم الخديوي على إنهاء تجارة الرقيق" ؛ وهي أسباب لا بد أنها بدت للسلطان غريبة. صدرت الأوامر للحاكم العام إسماعيل أيوب باشا بأن يركز قواته في غرب كردفان استعداداً لغزو دارفور.
رغم انتصار الزبير واحتلاله لـ (دارة)، إلا أنه كان يجابه ضغطاً من قوات السلطنة. فقد تمكن (الشرتاي) أحمد نمر تيراب حاكم البرقد من تجميع بقايا جيش أحمد شطة، ومناوشة قوات الزبير في (دارة) مما يتيح بعض الوقت للسلطان بما يمكنه من تجميع جيش آخر.
الحرب الدبلوماسية والدعائية
كما سبقت الإشارة إلى ذلك، فقد أرسل الزبير عدداً من الرسائل للسلطان إبراهيم قرض بينما كانت المعارك تدور. وخدمت هذه الرسائل أغراضاً عدة، منها المساس بشرعية سلطة السلطان، وخلخلة دولته بكسب الزبير لشخصيات رئيسية في مؤسسته. وموضوع آخر هام وحساس وهو إيجاد المسوق الشرعي لما أقدم عليه من مهاجمة دولة مسلمة. تم نشر رسائل الزبير للسلطان تحت عنوان " الأجوبة السديدة في إنذار وتهديد أهل المكيدة". في إحدى رسائل الزبير الموجهة للـ (علماء) قدم نفسه على أنه المتجرد، حامل رسالة الإسلام للوثنيين في الجنوب.. وتحدث فيها عن محاربته للطغاة والكفرة والمشركين وتحويلهم من عبادة الأوثان، وإدخاله للكثيرين منهم في ملة الإسلام. وظل الزبير يركز في رسائله للـ (علماء) على الادعاء بان السلطان قد خالف الدين بحربه لهم دون أن يكونوا قد حاربوه أو خالفوا الشريعة.
بتاريخ الثالث من رجب 1291هـ ، الموافق 16 أغسطس 1874م، الموافق 16 أغسطس 1874 ، أرسل الزبير خطاباً أخيراً للسلطان لائمه فيه على إيوائه للرزيقات الذين كانوا يهددون الطرق ما بين دارفور والسودان المصري التي قام هو بفتحها لجميع المسلمين . وأعلن في ذلك الخطاب عزمه على ضم السلطنة باسم الخديوي. جاء في الخطاب "إذا ما كنت عبد الله ومؤمناً بأن الأرض لله يعطي ملكها من يشاء من عباده.." طالب الزبير السلطان أن يتنازل عن الملك ويستسلم لسيده (الخديوي)؛ مؤكداً له أنه يؤمن له ممتلكاته وثرواته ومكانته الرفيعة؛ أما إذا أبى، فسوف يكون مسئولاً أمام الله عن دماء المسلمين. هكذا كانت حجج الزبير مزيجاً من الدين والسياسة. غير أنه للحقيقة والأمانة لم يتطرق لمسألة حق المسلم في محاربة مسلم آخر.
تجاهل السلطان إبراهيم قرض رسائل الزبير؛ وتجاوب معها بتوجيهه رسالة لقبيلة أولاد جابر (بالقرب من مليط)، المعروفين بالصلاح، بأن يعقدوا ألف (ختمة) كاملة للقرآن على نية النصر على الأعداء. والتجاوب الثاني كان دبلوماسيا، حيث بعث برسالة للوزير العثماني الأعلى مذكرا إياه بـ (فرمان) سابق أصدره السلطان عبد الماجد (1839-1861م)، وآخر أصدره السلطان عبد العزيز (1861-1876م) يضمنان لسلطان دارفور حدود سلطنته واستقلالها. إن هذين الـ (فرمانين) اللذين أشار إليهما السلطان يثيران أمراً محيراً لن يكون له تفسير إلا في وثائق اسطنبول. وذلك حيث أن السلطان عبد الماجد كان قد أصدر (فرمانين) لمحمد علي باشا، كان أحدهما حول السودان ونص بالتحديد على تبعية دارفور لمصر. وتم التأكيد على هذين (الفرمانين) وتمديدهما من قبل السلطان عبد العزيز في (فرمان) بتاريخ 8 يونيو 1867م. فإذا ما كان هذان هما (الفرمانين) اللذين أشار إليهما السلطان إبراهيم قرض- ويبدو أن لديه نسخاً منهما- فمن الصعب أن نفهم كيف فسرهما السلطان إبراهيم قرض على أنهما يضمنان له استقلال سلطنته.
كان لدارفور صلات دبلوماسية مع الدولة العثمانية. غير أن السلطان إبراهيم لم يعتمد كلياً على الضمانات العثمانية المزعومة. فقد سعى لإرضاء الخديوي، إذ بعث له بتاريخ 4 رجب 1291هـ الموافق 17 أغسطس 1874م برسالة يعبر فيها عن الخضوع والطاعة، حملها إلى القاهرة التاجر الحاج حمزة، غير أنها لم تكن مجدية.
إن ادعاء السلطان إبراهيم قرض بكون دارفور دولة إسلامية مستقلة ذات سيادة- وهو ادعاء أكد عليه السلطان محمد الفضل لمحمد علي باشا قبل خمسين سنة سبقت- فلم يكن له أي اعتبار في نظر الزبير ولا في نظر الخرطوم والقاهرة.
الحملة مستمرة
في هذا الأثناء ظلت الحملة مستمرة .. فقد أبحرت قوة صغيرة من (دارة) تحت قيادة رابح فضل الله وقتلت (شرتاي) البرقد. وفي حوالي يوليو/أغسطس أرسل السلطان إبراهيم قرض جيشاً آخر جنوباً تحت قيادة عمه الأمير حسب الله بن محمد الفضل. حاول جيش حسب الله محاصرة الزبير في (دارة). غير أن تكتيكات الزبير الدفاعية، المؤسسة على ميزة قوة السلاح الناري، أجبرت الأمير حسب الله على التقهقر شمالاً.
زحف السلطان إبراهيم قرض أخيراً نحو (دارة) ووصلها في 5 رمضان 1291هـ الموافق 16 أكتوبر 1874م؛ وكانت المعركة الحاسمة التي انتصرت فيها قوات الزبير بفضل السلاح الناري الذي لم يكن الدارفوريون يعرفونه. بدأ السلطان وبقايا جيشه في الانسحاب نحو جبل مرة، موطن أجداد الأسرة الحاكمة. وبعد تسعة أيام وصل إلى منواشي حيث التحم معه الزبير في 14 رمضان 1291هـ الموافق 25 أكتوبر 1874م، في آخر مواجهة بينهما. وكان مع السلطان حراسه الشخصيون فقط. هزم السلطان إبراهيم قرض وتم الاستيلاء على النقارة المقدسة (المنصورة). بأوامر من الزبير تم دفن جثمان السلطان بكامل طقوس التكريم والشرف في مسجد شيخ طاهر أبو جاموس في منواشي. وقوبل سقوط السلطنة باحتفالات في كل من الخرطوم وبربر.
****************
عرض لكتاب "تاريخ سلطنة دارفور"
لمؤلفه بروفسور ر. س. أوفاهي (5)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
"أهدي هذا الكتاب للقراء - وللدارفوريين بشكل خاص - كهدية من صديق في زمن عصيب" ر. س. أوفاهي.
*****
أقدم فيما يلي ملخصاً لما ورد في الفصل الخاص بـ:
- الفترة التي تلت معركة منواشي
- المهدية في دارفور
- استعادة السلطنة
- الإصلاحات الدينية والاجتماعية في عهد السلطان علي دينار
أم كويكية
كانت معركة منواشي بين قوات الحكم التركي المصري وقوات سلطنة دارفور في 25 أكتوبر 1874م ، والتي قتل فيها السلطان إبراهيم قرض ، هي النهاية لوجود دولة كيرا الإفريقية المسلمة المستقلة التي تعود نشأتها إلى منتصف القرن السابع عشر، والتي هي امتداد لدولة سودانية إفريقية عريقة ترجع جذورها إلى القرن الثاني عشر. ومنذ 1874م وحتى اندلاع الثورة المهدية في 1882م كانت دارفور نظرياً جزءاً من السودان التركي المصري؛ غير أن فكرة السلطنة ظلت حية في جبل مرة وفي أرض دارفور طوال تلك السنوات. ولقد شهدت السنوات التي تلت سقوط سلطنة دارفور مقاومة بطولية لإبقاء جذوة السلطنة متقدة؛ كما شهدت من الناحية الأخرى الرعب والتخريب الذي قامت به قوات الحكم التركي المصري لقهر تلك المقاومة. ويشار في الأدب الدارفوري إلى تلك السنوات بـ "أم كويكية" ، لأنها تميزت بنيران السلاح، وقطع الطرق، والبؤس المستشري - خاصة مع إفلاس الإدارة واستغراقها في الحروب المستمرة .
المهدية في دارفور
للمهدية في دارفور تاريخ معقد ومتعدد الجوانب. فمن الملاحظ أنه لم تكن للمهدية جاذبية كبيرة وسط المجتمعات غير العربية في دارفور ، وربما يكون عامل اللغة أحد أسباب ذلك. سبب آخر هو عدم تغلغل الصوفية الجديدة وسط المزارعين المستقرين . ونتيجة لذلك ظل الفور والمساليت يعيشون في عالمهم الخاص بدون تأثير كبير، بينما وجدت الدعوة المهدية صدى أكبر وسط الرحل ؛ ولعل ذلك بسبب التأثير الذي كان للطريقة السمانية وسط البقارة؛ وأيضاً الدور المؤثر للأسر الدينية من قبيلة الفولاني الذين انتشرت وسطهم دعوة الجهاد التي أطلقها عثمان دانفوديو في شمال نيجيريا.
يمكن النظر لأهمية المهدية من زاويتين؛ أولاهما أنها أدخلت دارفور في السياسة السودانية، وثانيهما أنها بلورت الانفصام بين مفهومين للإسلام قائمين على "العقيدة المهدوية" من ناحية ، والتقاليد السودانوية (Sudanic Tradition ) من الناحية الأخرى- أي بين نظرة شاملة (ولا نقول شمولية) للإسلام تقيم وزناً لدور الإسلام في المجتمع؛ وبين فهم للإسلام متوافق مع المحيط المحلي. ولقد جرت المهدية دارفور نحو السودان - ليس فقط في فترة المهدية - بل لاحقاً أيضاً في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي. على النقيض من ذلك كانت العقيدة السودانوية مسئولة عن بروز دولة جديدة، ألا وهي سلطنة المساليت، والتي كانت القوة الدافعة وراء النجاح في استعادة سلطنة كيرا تحت قيادة السلطان علي دينار.
السلطان علي دينار
بينما كان كتشنر يقترب من أم درمان في أغسطس 1898م، كان علي دينار يخطط للعودة إلى دارفور . وبعد أن تمكن من الهرب من أم درمان - التي بقي فيها لست سنوات -، اتجه جنوباً حتى وصل إلى الترعة الخضراء ( منطقة شمال كوستي)، حيث استولى هو ومناصروه على بعض الجمال التي تخص الخليفة، ثم اتجه غرباً نحو كجمر، التي كان ينتظره فيها عدد من أنصاره من دارفور. لم تكن تلك الخطوة التي أقدم عليها علي دينار اندفاعاً معزولاً، بل كانت خطوة محسوبة ومنسقة مع أنصاره؛ فقد انضمت إليه مجموعات من الأعيان الذين كانوا يمثلون جزءاً هاماً من مؤسسة السلطنة القديمة. بعد أقل من شهرين من وصوله إلى دارفور ، وفي أكتوبر 1898م ، تمكن علي دينار من إحكام سيطرته على الفاشر . واستندت سياسته في السنوات الأولى على مرتكزين ، أولهما فرض سلطته على أوسع نطاق ممكن في دارفور ؛ وثانيهما اتقاء شر ونجت وكتشنر وسلاطين في الخرطوم.
يصف المؤلف حكم السلطان علي دينار - مقارنة مع حكم أجداده السلاطين السابقين- بأنه كان حكماً أوتوقراطياً؛ لكنه يوجد له المبرر في ذلك ، إذ أن حالة الفوضى التي كانت تعيشها دارفور آنذاك يستحيل معها استعادة السلطة المنظمة التي كانت قائمة في السلطنة القديمة ما بين ليلة وضحاها. المقربون من السلطان علي دينار وصفوه بقوة العزيمة وبالصرامة. مثل تلك السمات الشخصية، ممزوجة بضرورات الأمر الواقع، مثلت الخلفيات التي قام عليها منهجه في إدارة دولته - والتي حكمها حكماً مباشراً. ولتعزيز سلطته كسلطان حرص على التواصل مع الماضي. ولقد دفعته تهديدات الدعوات الدينية إلى انتهاج سياسات دينية متناقضة نوعاً ما. فمن ناحية - ولمحاربة الدعوة المهدية التي نفذت إلى أعماق المجتمع- لجأ علي دينار إلى فرض العقيدة الدينية؛ بينما من الناحية الأخرى نسب إلى نفسه خاصية الولي ، وشيئاً من القدسية.
كان من الأولويات الواضحة للسلطان علي دينار إيجاد نظام قضائي فعال يستطيع أن ينظر في القضايا المتراكمة والعالقة من فترة المهدية والفترة التي سبقتها. وخلافاً للتقاليد التي كانت سائدة في السلطنة قبل 1874م، عين السلطان علي دينار قاضي قضاة ( هو القاضي إدريس عبد الله، الذي استمر في منصب قاضي عموم دارفور حتى عام 1916م). كذلك أدخل السلطان علي دينار إصلاحات في النظام الضرائبي، كما كانت له إصلاحات في المجال العسكري أيضاً. كان علي دينار مجدداً؛ غير أنه في سعيه المتواصل لإعادة تأسيس دولته، ظل في جميع الأمور يجمع ما بين القديم والجديد؛ وكان أكثر تأصيلاً في سياساته الدينية .
إحياء الدين
عاش سلاطين دارفور السابقون تحيط بهم طقوس مستمدة من تقاليد الفور بأكثر من كونها مستمدة من الإسلام. غير أن علي دينار كان رافضاً للإسلام السهل الذي اتبعه أجداده ، والقائم على (التخليط)؛ كما كان معارضاً للمهدية. كان النهج الذي يفضله هو ذلك النهج الذي يجمع ما بين إسلام المؤسسة - مثل الإسلام الذي يسانده الأزهر، والذي يخضع المؤسسة الدينية للدولة- وبين الإسلام الصوفي. تكمن أهمية المهدية الرئيسية بالنسبة لعلي دينار في أنها قادته إلى صياغة سياسة دينية داخلياً وخارجياً، وإلى تقديم تفسير لماضي دارفور يصب في مصلحة السلطان العثماني.
تأثرت الإدارة في السنوات الأولى من حكم السلطان علي دينار بأساليب المهدية، حيث ظل الكتبة والسكرتاريون المتوارثون من سلطات المهدية يستخدمون بعض عبارات الترحيب المهدوية ، مثل (الحبيب). ومن الإبداعات الجديدة للسلطان علي دينار دعوى انتسابه للعباس، واعتماد ذلك في الألقاب الرسمية؛ بينما لم يكن السلاطين السابقون يشيرون إلى ذلك النسب إلا بشكل مبهم؛ كما لم يضمنوه أبداً في وثائقهم ، حتى وهم يستخدمون ألقاباً مملوكية أو عثمانية مثل: "خادم الحرمين الشريفين" ، أو "سلطان البرين والبحرين".
تضمن برنامج السلطان علي دينار لإعادة البناء السيطرة المحكمة على (الفقرا) في مملكته، والذين كان يعاملهم كأنهم أعضاء في طريقة صوفية هو شيخها. وكان (الفقرا) في كل منطقة منظمين تحت (مقدوم) مسئول عنهم . ومن السياسات الدينية للسلطان علي دينار إقامته علاقات مع العالم الإسلامي الخارجي ؛ فلقد كانت له صلات وثيقة ومراسلات منتظمة مع العديد من المدارس الصوفية الجديدة - وبشكل خاص السنوسية والختمية والإسماعيلية. كانت الصلات مع السنوسية مهمة لذاتها، وذلك لأنها تفتح القنوات مع العثمانيين؛ وتضمنت رسائله إلى السيد المكي، شيخ الطريقة الإسماعيلية بالأبيض، وصفاً لجهوده الرامية للتمكين للدين في دولته؛ وفي رسائله للسيد علي الميرغني ظل السلطان علي دينار يفصح بحرية عن سخطه عن ما يراه من ازدواجية في الحكم الثنائي. وفي عهد السلطان علي دينار أصبحت الطريقة التيجانية أكثر رواجاً وانتشاراً في دارفور. ولقد ظلت الفاشر تستقبل وتستضيف بكرم وحفاوة أبرز قادة الطريقة التيجانية وأكبرهم مكانة في غرب إفريقيا.
من علامات الاستقامة الدينية للسلطان علي دينار إرساله المحمل إلى مكة لكسوة الكعبة؛ ومواصلته تقديم المساندة لرواق دارفور في الأزهر. ومن الإيماءات الأخرى في هذا الجانب، إرساله نسخة من موجز تاريخ حياته لمكتبة دار الفلاح بمكة؛ ونشره في مطبعة السودان بالخرطوم "ديوان المديح في مدح النبي المليح".
الإعداد لغزو دارفور
في عام 1915م كان حاكم عام السودان رينالد ونجت يضغط على حكومتي مصر وبريطانيا للإذن له بأن "يقضم" دارفور قبل أن يفعل ذلك الفرنسيون الذين كانوا يحومون حول حدود دار مساليت. ينتقد المؤلف المبررات التي ظل يسوقها البريطانيون لغزو دارفور في عام 1917م ( ويذكر أن ما أورده بروفسور ثيوبولد عنها ناتج من تأثره بوجهة النظر البريطانية). ويعزي المؤلف ما ظلت تروج له أجهزة الدعاية الحكومية عن قسوة السلطان علي دينار وقهره للفقراء، إلى رغبة تلك الأجهزة في تكوين صورة انطباعية سلبية تبرر الغزو؛ ولا يوجد سند للقصص الساذجة التي كانت تروج لها أجهزة الدعاية ( مثل الفرية عن مصير الطفل الوليد الذي أسماه والداه على اسم السلطان). يذكر المؤلف أنه يستبعد أن يكون ونجت شخصياً مقتنعاً بمثل ذلك الهراء.
من جانبه، وفي ظل أجواء الدعاية والدعاية المضادة، كان السلطان علي دينار- من منطلق معارضته للحكومة- يخاطب ونجت بـ "سن النار" بدلاً من السردار! وفي إحدى رسائله لونجت عبر علي دينار عن اعتزازه بنفسه، وافتخاره بمكانته كسلطان، وبمجده العريق؛ حيث جاء فيها:
"إنني بفضل الله سلطان وابن سلطان؛ ولقد ورثت المملكة بحق من أجيال.. وأنا - بمشيئة الله العظيم- أجلس الآن على عرش آبائي وأجدادي".
بقية القصة معروفة ؛ فقد غزا البريطانيون دارفور، وذبحت قوات دارفور في موقع المعركة بالقرب من الفاشر .. وتمت محاصرة السلطان علي دينار وقتله في نوفمبر 1916م.
هكذا انتهت سلطنة كيرا.. غير أنها انتهت بشرف.
*****
عرض لكتاب "تاريخ سلطنة دارفور"
لمؤلفه بروفسور ر. س. أوفاهي (6)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
كان للنساء دور بارز في بلاط السلطان - سواء كن ميارم (مفردها ميرم) - وهن الأميرات الشابات - أو الحبوبات . وقد كانت الحرية والسلطة التي تتمتع بها نساء البلاط بشكل خاص (والنساء عموماً داخل السلطنة) مثار دهشة الزوار المسلمين. وربما تكون تلك الوضعية المتميزة لنساء البلاط مستمدة من ثقافة الفور السابقة للإسلام، والتي تم إدماجها في بلاط آخذ في الأسلمة بصورة متزايدة. لذلك فإن بعض أنماط السلوك التي قد تكون عادية في قرى الفور تصبح أكثر ملاحظة في البلاط السلطاني. غير أن تلك الحرية الاجتماعية كانت على توافق مع المحافظة على تعاليم الدين. ومثل ما هو عليه الحال في المناطق الريفية كانت النساء هن اللاتي يحافظن على المعتقدات والأعراف التقليدية.
من ألقاب الأميرات
- إيا كوري وهو اللقب الذي يشار به إلى الوالدة ذات النفوذ ، والسيدة الأولى من بين زوجات السلطان.
- إيا باسي وهو لقب الأميرة الأم – الشقيقة الأثيرة للسلطان .
- الحبوبة وهو لقب الملكة الأم .
ومن حيث النفوذ السياسي فإن إيا باسي هي ذات التأثير الأكبر ، والارتباط الأكثر بالسلطان من حيث المشاركة في الحكم وفي المصير أيضاً ؛ فلقد تم إعدام الأميرة زمزم عندما أعدم شقيقها أبو القاسم. وفي فترة لاحقة نجد أن الأميرة تاجا قد اضطلعت بدور بارز في تشجيع وحفز السلطان علي دينار على محاربة الإنجليز.
كذلك كانت الأميرة(إيا باسي) زمزم هي الشخصية المتنفذة في السنوات الأخيرة من فترة حكم شقيقها السلطان محمود الحسين ، بل مكنتها الظروف من أن تصبح الحاكم الفعلي للسلطنة. في عام 1856م (وكان شقيقها السلطان قد فقد نظره)، طافت الأميرة زمزم أرجاء السلطنة وهي تقود رجالها المسلحين، حتى نجحت في أن تحصل من السلطان الواهن على الحواكير التي كانت ترغب فيها. وقد كانت الأميرة زمزم – كغيرها من نساء البلاط – فارسة تجيد ركوب الخيل. وكانت تصدر المراسيم باسمها . ولأنها لم تكن راضية عن التأثير المتنامي للفقيه محمد البلالاوي على شقيقها السلطان - والذي أوهنه المرض - ، فقد تضامنت مع الوزير أحمد شطة للتخلص من ذلك الفقيه ، وإبعاده من دارفور ، وذلك رغم اعتراض السلطان. عند وفاة السلطان امتنعت الأميرة زمزم عن تناول الطعام حتى قضت جوعاً.
الألقاب والمناصب
كانت هناك أشكال معقدة من الألقاب والمناصب تخصص لأفراد العائلة المالكة رجالاً ونساءً ، ولأسر الزعماء ، ولأمراء الحرب ، ولحكام المديريات ، ولخبراء الطقوس ، ولحراس الامتيازات السلطانية والصولجان.
النخبة غير الرسمية
شهد بلاط السلطان في دارفور نشوء نخبة غير رسمية ذات مشارب متنوعة ، وذلك بشكل مختلف عن ما كان مألوفاً في الممالك السودانية (Sudanic Kingdoms)؛ ولعل السبب وراء ذلك هو توظيف مجموعات، ونشوء ظروف جديدة فرضت نفسها على مؤسسة الحكم تجاوباً مع الحاجات والمواقف الجديدة . وقد أدت إستراتيجية الزواج من العائلة المالكة بشكل متزايد إلى إدماج نخب من القبائل والقادة الإقليميين في المركز.
طبقة الكتاب
أدت الحاجة إلى بيروقراطية من المتعلمين ، إلى نشوء طبقة من الكتبة (Scribes)؛ كما أدى التوسع العسكري إلى أن يحل جباة محترفون محل من كانوا يقومون بجباية الضرائب من القبائل بالطرق التقليدية .
التجار
واحدة من فئات النخبة التي يشوبها قدر من الغموض هي فئة التجار؛ وذلك بسبب أن الجزء الأعظم من أنشطتهم - وكذلك أموالهم -، كانت خارج السلطنة.
المحاربون المحترفون
كانت دارفور في بداية القرن التاسع عشر إمبراطورية ممتدة حتى النيل. كما كانت تمتلك ثروات هائلة، وتدير تجارة مزدهرة مع مصر. وقد جذب ذلك الثراء والازدهار أنواعاً من المغامرين - من بينهم المرتزقة. وكان وجود أمثال هؤلاء المحاربين المحترفين المتزودين بتقاليد الفروسية أمراً مألوفاً في إفريقيا السودانية (Sudanic Africa).
طبقة الأرقاء تحتل مواقع مؤثرة
في بداية القرن التاسع عشر بدأ يسيطر على النخبة في البلاط ثلاثة عناصر ، ألا وهي: المنحدرون من طبقة الأرقاء، و(الفقرا)، والتجار.
كان توظيف الأرقاء أمراً مألوفاً في الدول الإسلامية، وذلك حيث أنه يخلق توازناً مع أرستقراطية النبلاء بالوراثة أو نبلاء الأقاليم؛ ولم تكن دارفور استثناء من ذلك. فلقد عمل المنحدرون من طبقة الأرقاء داخل مجمع البلاط السلطاني كحراس وكإداريين؛ بل كان الكثيرون منهم مقربين من السلاطين. كما عملت الإماء كمحظيات؛ وكانت المنطقة المخصصة للحريم يديرها أرقاء من الخصيان . وكان الأرقاء العاملون في البلاط منظمين وفقاً لتسلسل معقد من المجموعات والألقاب. ونبع اهتمام السلاطين بالأفراد الموهوبين من طبقة الأرقاءً من كونهم طيعين أكثر من النبلاء بالوراثة. ولسلاطين كيرا أسبابهم في توخي الحذر، إذ أن اثنين من السلاطين لقوا مصرعهم على أيدي أفراد من أرستقراطية النبلاء.
(الفقرا) - رجال الدين والعلماء
بينما تمتع الأرقاء بذلك الوضع المميز بقربهم من مواقع السلطة المؤثرة، كان (الفقرا) والتجار في وضع أقل مكانة في البلاط. كان يتم تعيين بعض (الفقرا) كقضاة، وتعيين بعضهم الآخر في وظائف متنوعة في بلاط السلطان - مثل تعليم أبناء السلاطين والزعماء، أو العمل كمستشارين قانونيين، أو القيام بأعمال السكرتارية، أو أعمال الوساطة عند حلول الأزمات السياسية.
دائماً كانت توجد حدود لنفوذ (الفقرا). فلقد أحاط السلطان الفقيه الورع محمد الحسين نفسه بعدد من العلماء والمتصوفة، من بينهم محمد بن المختار الشنقيطي (توفي 1881م)، وهو من متصوفة موريتانيا، وينتمي إلى الطريقة التيجانية. وهو الذي قاد السلطان إلى إتباع الطريقة التيجانية، والتي أصبحت منذ ذلك الوقت الطريقة الرئيسية في دارفور. وقد عمل محمد بن المختار أيضاً سفيراً للسلطان في مصر. ومن العلماء المتصوفة أيضاً كان هناك أحمد الدرديري، وهو من عائلة رجال الدين الدواليب بخرسي في كردفان، الذين أصبحوا لاحقاً من أتباع الطريقة التيجانية .
رغم المكانة البارزة (للفقرا) في بلاط السلطان في القرن الثامن عشر، خاصة وأن الكثيرين منهم قد تزوجوا من نساء كيرا، إلا أنهم كانوا دائما في وضع المرؤوسين؛ وذلك لأنه ليست لديهم السلطة التي يتمتع بها الأعيان، ولا الأموال التي يتمتع بها التجار. ويلاحظ أن هناك اختلافاً وتناقضاً واضحا بين تلك المكانة المتواضعة (للفقرا) في بلاط السلطان وبين مكانة نظرائهم في المناطق الريفية من السلطنة، الذين كان نفوذهم يشع من مساجدهم ومناطق استقرارهم حولها. وهو نفوذ مستمد ليس فقط من الرعاية السلطانية، بل من الخدمات المتنوعة التي يؤدونها لمجتمعاتهم، وهي خدمات روحية وتعليمية، وخدمات ذات صلة بالسحر والطب العلاجي.
المؤسسة الدينية والمؤسسة السياسية
إن خضوع المؤسسة الدينية للمؤسسة السياسية هو الأمر السائد في العالم الإسلامي. فقط في أوقات الأزمات والتقلبات السياسية تتمكن القيادة الدينية من لعب دور مستقل. بالمثل كان خضوع التجار للمؤسسة السياسية. غير أنه – تماماً مثل ما كان (الفقرا) في سلطنة دارفور أكثر استقلالية من علماء القاهرة أو بغداد، لأنهم كانوا يعيشون في بيئة تضعهم في المقدمة، ولأنهم يعملون في عالم صوفي؛ كان وضع التجار ضمن النخبة أكثر بروزاً، وذلك بسبب تركيبة الشبكات التجارية التي ساعدت في إكسابهم استقلالية أكبر.
التجارة
من الموضوعات ذات الصلة بمكانة التجار وسط النخبة أن فترة أوج ازدهار التجارة بين دارفور ومصر (1750 – 1860م) كانت عنصراً أساسيا من العناصر التي أدت إلى نشوء مركزية السلطة في سلطنة دارفور. كان اهتمام السلاطين الرئيسي متركزاً في جني الأرباح من تلك التجارة، وليس بالضرورة إدارة الجوانب المرتبطة بها. غير أنه نظراً لأن تنظيم قافلة كبيرة متكونة من آلاف عديدة من الجمال أمر يحتاج إلى موارد ضخمة؛ ولأن استقبال القافلة في مصر كان عملاً لصيقاً بالعمل الدبلوماسي، فقد كانت التجارة والسياسة مرتبطتين برباط وثيق. وطوال تلك الفترة التي شهدت ازدهار التجارة كان السلاطين يتاجرون لحسابهم الخاص بواسطة تجار من العائلة المالكة وخدم تابعين لهم. كان هؤلاء التجار، سواء وكلاء أو أقارب للسلطان أو تجار يقومون بدور الوكلاء، يستخدمون أرباح السلع المباعة في مصر لصالح تجارة السلطان، وكانوا يتمتعون بوضع دبلوماسي.
أوضاع النخبة داخل بلاط السلطان
كانت الحركة التي تكيف أوضاع النخبة داخل بلاط السلطان بعيدة من الهرمية ذات التركيبة الرسمية ، من نوع تلك التي سادت في الدويلات السودانية. فالنخبة في سلطنة دارفور أقرب ما تكون إلى نخبة فضفاضة قوامها مجموعات المصالح التي تعمل في إطار متنامي البيروقراطية، وهم من المتعلمين؛ وهي بذلك أكثر من كونها تركيبة مستندة على صلات القرابة.
مثل العديد من أوجه تاريخ سلطنة دارفور، فقد انقطع بشكل مفاجئ التطور الطبيعي للسلطنة في العام 1874م - وإن تم استئناف السلطنة في عام 1898م. وكان ذلك الانقطاع واحداً من أعراض إعادة الصياغة الجوهرية للدولة التي تشكلت في القرن التاسع عشر. ومن جوانب تلك الصياغة الجديدة نمو نظام إقطاع الأراضي، وتعيين المقدومين أو المفوضين للإشراف على الرؤساء المحليين في الأقاليم، ونشوء بيروقراطية متنامية التعليم ونظام قضائي. إن وصف هذا التطور بالإسلامي يعني تجاهل الحقائق الاقتصادية والسياسية التي قادت إليه؛ لقد عبر الإسلام عن تلك التغيرات بوضوح لكنه لم يرسبها ويعجل من حدوثها.
المناسبات الوحيدة التي يمكن فيها مشاهدة أدوار سياسية تلعبها النخبة هي مناسبات الأزمات المصاحبة لانتقال الحكم؛ حين يتحول البلاط إلى ساحة يقتتل فيها الناس ويموتون من أجل مصالح قبلية أو فئوية. لم يكن الموت يأتي للخاسرين فقط من المنتصرين، حيث أنه في ذلك المجتمع المسلم ( وللغرابة) كان الانتحار أمراً مألوفاً بين النخبة. ومن أمثلة ذلك الوزير/ علي بن جامي، والمقدوم/ عبد السيد، والوزير/ عبد الباري، والإية باسي/ زمزم؛ جميع هؤلاء أنهوا حياتهم بأنفسهم إثر الفشل السياسي أو العسكري.
********
عرض لكتاب "تاريخ سلطنة دارفور"
لمؤلفه بروفسور ر. س. أوفاهي (3)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
نهاية استقلال سلطنة دارفور (1)
- تنامي قوة الزبير باشا وسيطرته على بحر الغزال
- دعم الخديوي إسماعيل للزبير
- محاولة كسب مساندة الرزيقات لضمان المرور الآمن لدارفور
في الجزء الثالث من الكتاب وتحت عنوان (نهاية الاستقلال) يلقي الكاتب الضوء على بعض الجوانب الهامة والتفاصيل المرتبطة بغزو دارفور (1873 – 1874م)؛ معلقاً أن غزو دارفور في عام 1874م من قبل الزبير باشا لم يكن فقط بداية النهاية لوجود سلطنة دارفور كدولة مستقلة ذات تاريخ متصل منذ القرن السادس عشر، بل كان أيضاً نقطة تحول في تاريخ السودان الحديث.
فعلى الرغم من المقاومة البطولية لحكام (كيرا) خلال سبعينات وثمانينات القرن التاسع عشر، ورغم أن آخر سلاطينها- علي دينار بن زكريا قد تمكن رسمياً من استعادة السلطنة في الفترة ما بين أعوام 1898-1916م، إلا أن دارفور بعد عام 1874م ظلت في نظر من حكموها من مصريين ومهدوين وبريطانيين وحتى اليوم جزءاً من السودان بكل ما يعنيه ذلك. إن فكرة دارفور ككيان منفصل- دعك عن استقلالها- لم تدخل الساحة الدولية حتى مفاوضات أبوجا التي جرت تحت رعاية الاتحاد الإفريقي في عام 2004م.
يتناول المؤلف خلفية المناخ التاريخي والإقليمي الذي نشأ تحت ظله الزبير باشا، واصفاً الزبير على أنه نتاج التوسع الاستعماري السائد في حينها، والمستفيد من التكنولوجيا الحديثة آنذاك المتمثلة في السفن والبنادق. فلقد بدأت في منتصف خمسينات القرن التاسع عشر موجة من المغامرين الأوربيين والمصريين والشرقيين والسودانيين الذين استخدموا السفن للتحرك عبر روافد الأنهار إلى غرب بحر الغزال ليكونوا شبكات من (الزرائب) أو (الكبانيات)، وجيوش من الأرقاء بهدف استغلال أهم موردين في الإقليم، ألا وهما البشر والأفيال. وكان وراء كل هذا النظام رجل واحد هو الزبير رحمة المنصور.
يذكر الكاتب أن الزبير رجل ذو تصميم عظيم ومقدرة؛ فمنذ مجيئه إلى بحر الغزال سرعانما أسس امبراطورية تجارية قائمة تنظيميا على (الكبانيات)- أي الشركات التجارية-، وجغرافياً على شبكة من المعسكرات المسلحة (الزرائب)، قوامها فرق من (الأرقاء) المسلحين بالسلاح الناري. كانت التجارة الرئيسية هي العاج، وكذلك (الرقيق) للاستعمال الداخلي كجنود، وكعمال يقومون بزراعة الغذاء للمعسكرات؛ كذلك كان يتم تصديرهم للشمال.
بحلول عام 1865م كان الزبير مسيطراً على كامل بحر الغزال، وذلك بعد قتله لجميع منافسيه أو استيعابهم. لكن مع نمو امبراطوريته دخل في نزاع مع الخديوي اسماعيل؛ فلقد أغلقت إجراءات مكافحة الرق المنافذ عبر النيل الأبيض، مما جعل المنافذ البرية إلى الشمال ضرورية. كانت هذه المنافذ تمر عبر مناطق قبائل البقارة، وهي الأراضي الواقعة بين سلطنة دارفور والمناطق التي هي تحت سيطرة الزبير. وقد عقد الزبير اتفاقية مع الرزيقات في مارس 1866م أساسها هو قيامه بدفع رسوم للقبيلة مقابل توفير الحماية والمرور الآمن عبر أراضيهم (وهذه الاتفاقية هي التي أدت بشكل غير مباشر إلى سقوط سلطنة دارفور).
هذا التقنين للشبكات التجارية في المنطقة سدد ضربة كبيرة للقواعد التجارية لسلطنة دارفور. فلقد أصبح الزبير الآن مسيطراً على الخلفية الاقتصادية للسلطنة، وكذلك على منافذ الدخول إليها والخروج منها. وفي عام 1873م انهارت اتفاقية الزبير مع الرزيقات، إذ تمت مهاجمة إحدى قوافله وقتل عدد من أقاربه. وقبل الثأر لتلك الهزيمة، كتب الزبير خمس رسائل للسلطان ما بين يونيو 1873م واغسطس 1874م ؛ وكان هدفه من وراء تلك الرسائل هو تبرير أعماله. في البداية خاطب الزبير السلطان باحترام باسم "خادم الخديوي" (نحن عبيد أفندينا)، الذي كان مستغرقاً في غزو بلاد الفرتيت. ذكر الزبير للسلطان أن مقاصد الدولة المصرية شريفة، وأنه يخاطبه درءاً للفتن بين الدولتين. كذلك ذكّر الزبير السلطان إبراهيم قرض بالعلاقات الطيبة التي كانت قائمة بين والده والخديوي. ركز الزبير في تلك الرسائل على التأكيد على أنه خادم مخلص لحاكم مصر؛ لكنه في نفس الوقت كان يقر بأن دارفور دولة (الدولة الدارفورية).
كانت لهجة رسالة الزبير الثالثة للسلطان أكثر حدة، احتج فيها على عدم قيام السلطان بالرد على رسالتيه السابقتين. كما ذكر في تلك الرسالة أنه عباسي وهاشمي، ولا يقبل التهديد والإساءة؛ وختمها بنصح السلطان بالتسليم للخديوي. بعد شهر من ذلك قام الخديوي بتعيين الزبير مديراً للشاكة وبحر الغزال، ومنحه لقب بك. ربما كان الهدف من وراء ذلك هو تقديم السند له في محاولته هزيمة السلطان، وأيضاً تزويده بالشرعية اللازمة.
غزو السلطنة
استغرق غزو السلطنة فترة عام تقريباً؛ فالمسافة بين الشاكة والفاشر أكثر من 400 كيلومتر؛ كما أن صعوبات الإمداد كانت تحول دون أي حملة سريعة. ولقد عكست الغزوة إجادة الزبير لهذا النوع من الحروب، وكذلك كشفت عن عدم كفاية التنظيم العسكري لسلطنة دارفور.
كانت القوى المتحاربة تفتقر إلى الندية. فمن ناحية كان الزبير قد تمكن خلال ما يقارب العشرين سنة (1856-1873م) من المعارك الصعبة، من تاسيس جيش غير نظامي لا يجارى قوامه قوات الرقيق ، المعروفين بـ (البازنقر) ومؤخراً باسم الجهدية، والذين تم تجنيد معظمهم من قبائل بحر الغزال وما وراءها، وبشكل خاص من قبيلة الزاندي. وكان للعديد من الضباط، مثل النور محمد عنقرة، من الذين خدموا ضمن القوات المصرية، تجارب قتالية. وكان من بين ضباط جيش الزبير عدد من الذين أصبحوا لاحقاً من جنرالات المهدية المشهورين، منهم حمدان أبو عنجة- النور عنقرة- الزاكي طمل- عبد الرحمن النجومي؛ وضابط آخر كان له سجل زاخر في الحروب أكثر من قائده نفسه، ألا وهو رابح فضل الله.
من الناحية الأخرى لم يكن لسلطنة دارفور ما يمكنها من التجاوب مع هذا المستوى من التجربة والممارسة؛ فلقد توقفت السلطنة منذ زمن من السعي لأن تكون قوة توسعية. وجاءت محاولات أحمد شطة والآخرين لتأسيس وحدات عسكرية جديدة مماثلة لقوت (البازنقر) متأخرة جداً. رغم ذلك فقد كانت السلطنة هي من تحرك أولاً، حيث تقدم أحمد شطة بصحبة (صاحب النحاس) سعد النور إبراهيم رماد في دار الرزيقات، وتمكن في ديسمبر 1873م من هزيمة فصيل من قوات الزبير تحت قيادة النور عنقرة. غير أن أحمد شطة- رغم هذا النجاح- رأى أن يكتب خطاباً هادئاً للزبير فيما يبدو أنه محاولة لبدأ مفاوضات معه. لكن أخيراً بتوجيه من السلطان، وضغط من رجاله، هاجم (المقدوم) أحمد شطة الزبير في منطقة ما بين الشاكة ودارة في يناير أو فبراير 1874م؛ غير أنه قتل في المعركة التالية هو وسعد النور، و(المقدوم) عبد الله رنجة، و (الأمين) عبد الباري.
*************
عرض لكتاب "تاريخ سلطنة دارفور"
لمؤلفه بروفسور ر. س. أوفاهي (4)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
- المقاومة الدارفورية
- طلب السلطان إبراهيم قرض السند من الدولة العثمانية
- رسائل الزبير باشا للـ (علماء) في دارفور
- معركة منواشي ومقتل السلطان
-------------
مقدمة
في هذا الجزء من العرض أواصل تقديم ما ورد في كتاب بروفيسور أوفاهي تحت عنوان (نهاية الاستقلال) ، والذي ألقى فيه الكاتب الضوء على بعض الجوانب الهامة والتفاصيل المرتبطة بغزو دارفور (1873 – 1874م)؛ معلقاً بأن غزو دارفور في عام 1874م من قبل الزبير باشا لم يكن فقط بداية النهاية لوجود سلطنة دارفور كدولة مستقلة ذات تاريخ متصل منذ القرن السادس عشر، بل كان أيضاً نقطة تحول في تاريخ السودان الحديث.
احتل الزبير (دارة) في 23 ذي الحجة 1290 هـ، الموافق 11 قبراير 1874م. كانت مع أحمد شطة قوات قليلة نسبياً، هم من فرق (الأرقاء) التي كانت لدي السلطنة، والتي كانت مسلحة ببنادق الرمنقتون؛ بينما بدأ الزبير في جلب تعزيزات معتبرة من (زرائبه) في بحر الغزال حتى بلغ عدد جنوده 7.000 من الرجال المزودين بالسلاح الناري، كما بدأت السلطات التركية المصرية في التحرك.
كانت كل من الخرطوم والقاهرة متابعة لتقدم الزبير بقدر من الانزعاج، وشرعا في اتخاذ إجراءات بهدف إيقاف تقدمه، أو على الأقل سلبه من مكاسبه. في فبراير 1874م أعلن الخديوي إسماعيل الحرب على سلطنة دارفور، وكان الغطاء المبرر لذلك هو "عدوان السلطان، وتصميم الخديوي على إنهاء تجارة الرقيق" ؛ وهي أسباب لا بد أنها بدت للسلطان غريبة. صدرت الأوامر للحاكم العام إسماعيل أيوب باشا بأن يركز قواته في غرب كردفان استعداداً لغزو دارفور.
رغم انتصار الزبير واحتلاله لـ (دارة)، إلا أنه كان يجابه ضغطاً من قوات السلطنة. فقد تمكن (الشرتاي) أحمد نمر تيراب حاكم البرقد من تجميع بقايا جيش أحمد شطة، ومناوشة قوات الزبير في (دارة) مما يتيح بعض الوقت للسلطان بما يمكنه من تجميع جيش آخر.
الحرب الدبلوماسية والدعائية
كما سبقت الإشارة إلى ذلك، فقد أرسل الزبير عدداً من الرسائل للسلطان إبراهيم قرض بينما كانت المعارك تدور. وخدمت هذه الرسائل أغراضاً عدة، منها المساس بشرعية سلطة السلطان، وخلخلة دولته بكسب الزبير لشخصيات رئيسية في مؤسسته. وموضوع آخر هام وحساس وهو إيجاد المسوق الشرعي لما أقدم عليه من مهاجمة دولة مسلمة. تم نشر رسائل الزبير للسلطان تحت عنوان " الأجوبة السديدة في إنذار وتهديد أهل المكيدة". في إحدى رسائل الزبير الموجهة للـ (علماء) قدم نفسه على أنه المتجرد، حامل رسالة الإسلام للوثنيين في الجنوب.. وتحدث فيها عن محاربته للطغاة والكفرة والمشركين وتحويلهم من عبادة الأوثان، وإدخاله للكثيرين منهم في ملة الإسلام. وظل الزبير يركز في رسائله للـ (علماء) على الادعاء بان السلطان قد خالف الدين بحربه لهم دون أن يكونوا قد حاربوه أو خالفوا الشريعة.
بتاريخ الثالث من رجب 1291هـ ، الموافق 16 أغسطس 1874م، الموافق 16 أغسطس 1874 ، أرسل الزبير خطاباً أخيراً للسلطان لائمه فيه على إيوائه للرزيقات الذين كانوا يهددون الطرق ما بين دارفور والسودان المصري التي قام هو بفتحها لجميع المسلمين . وأعلن في ذلك الخطاب عزمه على ضم السلطنة باسم الخديوي. جاء في الخطاب "إذا ما كنت عبد الله ومؤمناً بأن الأرض لله يعطي ملكها من يشاء من عباده.." طالب الزبير السلطان أن يتنازل عن الملك ويستسلم لسيده (الخديوي)؛ مؤكداً له أنه يؤمن له ممتلكاته وثرواته ومكانته الرفيعة؛ أما إذا أبى، فسوف يكون مسئولاً أمام الله عن دماء المسلمين. هكذا كانت حجج الزبير مزيجاً من الدين والسياسة. غير أنه للحقيقة والأمانة لم يتطرق لمسألة حق المسلم في محاربة مسلم آخر.
تجاهل السلطان إبراهيم قرض رسائل الزبير؛ وتجاوب معها بتوجيهه رسالة لقبيلة أولاد جابر (بالقرب من مليط)، المعروفين بالصلاح، بأن يعقدوا ألف (ختمة) كاملة للقرآن على نية النصر على الأعداء. والتجاوب الثاني كان دبلوماسيا، حيث بعث برسالة للوزير العثماني الأعلى مذكرا إياه بـ (فرمان) سابق أصدره السلطان عبد الماجد (1839-1861م)، وآخر أصدره السلطان عبد العزيز (1861-1876م) يضمنان لسلطان دارفور حدود سلطنته واستقلالها. إن هذين الـ (فرمانين) اللذين أشار إليهما السلطان يثيران أمراً محيراً لن يكون له تفسير إلا في وثائق اسطنبول. وذلك حيث أن السلطان عبد الماجد كان قد أصدر (فرمانين) لمحمد علي باشا، كان أحدهما حول السودان ونص بالتحديد على تبعية دارفور لمصر. وتم التأكيد على هذين (الفرمانين) وتمديدهما من قبل السلطان عبد العزيز في (فرمان) بتاريخ 8 يونيو 1867م. فإذا ما كان هذان هما (الفرمانين) اللذين أشار إليهما السلطان إبراهيم قرض- ويبدو أن لديه نسخاً منهما- فمن الصعب أن نفهم كيف فسرهما السلطان إبراهيم قرض على أنهما يضمنان له استقلال سلطنته.
كان لدارفور صلات دبلوماسية مع الدولة العثمانية. غير أن السلطان إبراهيم لم يعتمد كلياً على الضمانات العثمانية المزعومة. فقد سعى لإرضاء الخديوي، إذ بعث له بتاريخ 4 رجب 1291هـ الموافق 17 أغسطس 1874م برسالة يعبر فيها عن الخضوع والطاعة، حملها إلى القاهرة التاجر الحاج حمزة، غير أنها لم تكن مجدية.
إن ادعاء السلطان إبراهيم قرض بكون دارفور دولة إسلامية مستقلة ذات سيادة- وهو ادعاء أكد عليه السلطان محمد الفضل لمحمد علي باشا قبل خمسين سنة سبقت- فلم يكن له أي اعتبار في نظر الزبير ولا في نظر الخرطوم والقاهرة.
الحملة مستمرة
في هذا الأثناء ظلت الحملة مستمرة .. فقد أبحرت قوة صغيرة من (دارة) تحت قيادة رابح فضل الله وقتلت (شرتاي) البرقد. وفي حوالي يوليو/أغسطس أرسل السلطان إبراهيم قرض جيشاً آخر جنوباً تحت قيادة عمه الأمير حسب الله بن محمد الفضل. حاول جيش حسب الله محاصرة الزبير في (دارة). غير أن تكتيكات الزبير الدفاعية، المؤسسة على ميزة قوة السلاح الناري، أجبرت الأمير حسب الله على التقهقر شمالاً.
زحف السلطان إبراهيم قرض أخيراً نحو (دارة) ووصلها في 5 رمضان 1291هـ الموافق 16 أكتوبر 1874م؛ وكانت المعركة الحاسمة التي انتصرت فيها قوات الزبير بفضل السلاح الناري الذي لم يكن الدارفوريون يعرفونه. بدأ السلطان وبقايا جيشه في الانسحاب نحو جبل مرة، موطن أجداد الأسرة الحاكمة. وبعد تسعة أيام وصل إلى منواشي حيث التحم معه الزبير في 14 رمضان 1291هـ الموافق 25 أكتوبر 1874م، في آخر مواجهة بينهما. وكان مع السلطان حراسه الشخصيون فقط. هزم السلطان إبراهيم قرض وتم الاستيلاء على النقارة المقدسة (المنصورة). بأوامر من الزبير تم دفن جثمان السلطان بكامل طقوس التكريم والشرف في مسجد شيخ طاهر أبو جاموس في منواشي. وقوبل سقوط السلطنة باحتفالات في كل من الخرطوم وبربر.
****************
عرض لكتاب "تاريخ سلطنة دارفور"
لمؤلفه بروفسور ر. س. أوفاهي (5)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
"أهدي هذا الكتاب للقراء - وللدارفوريين بشكل خاص - كهدية من صديق في زمن عصيب" ر. س. أوفاهي.
*****
أقدم فيما يلي ملخصاً لما ورد في الفصل الخاص بـ:
- الفترة التي تلت معركة منواشي
- المهدية في دارفور
- استعادة السلطنة
- الإصلاحات الدينية والاجتماعية في عهد السلطان علي دينار
أم كويكية
كانت معركة منواشي بين قوات الحكم التركي المصري وقوات سلطنة دارفور في 25 أكتوبر 1874م ، والتي قتل فيها السلطان إبراهيم قرض ، هي النهاية لوجود دولة كيرا الإفريقية المسلمة المستقلة التي تعود نشأتها إلى منتصف القرن السابع عشر، والتي هي امتداد لدولة سودانية إفريقية عريقة ترجع جذورها إلى القرن الثاني عشر. ومنذ 1874م وحتى اندلاع الثورة المهدية في 1882م كانت دارفور نظرياً جزءاً من السودان التركي المصري؛ غير أن فكرة السلطنة ظلت حية في جبل مرة وفي أرض دارفور طوال تلك السنوات. ولقد شهدت السنوات التي تلت سقوط سلطنة دارفور مقاومة بطولية لإبقاء جذوة السلطنة متقدة؛ كما شهدت من الناحية الأخرى الرعب والتخريب الذي قامت به قوات الحكم التركي المصري لقهر تلك المقاومة. ويشار في الأدب الدارفوري إلى تلك السنوات بـ "أم كويكية" ، لأنها تميزت بنيران السلاح، وقطع الطرق، والبؤس المستشري - خاصة مع إفلاس الإدارة واستغراقها في الحروب المستمرة .
المهدية في دارفور
للمهدية في دارفور تاريخ معقد ومتعدد الجوانب. فمن الملاحظ أنه لم تكن للمهدية جاذبية كبيرة وسط المجتمعات غير العربية في دارفور ، وربما يكون عامل اللغة أحد أسباب ذلك. سبب آخر هو عدم تغلغل الصوفية الجديدة وسط المزارعين المستقرين . ونتيجة لذلك ظل الفور والمساليت يعيشون في عالمهم الخاص بدون تأثير كبير، بينما وجدت الدعوة المهدية صدى أكبر وسط الرحل ؛ ولعل ذلك بسبب التأثير الذي كان للطريقة السمانية وسط البقارة؛ وأيضاً الدور المؤثر للأسر الدينية من قبيلة الفولاني الذين انتشرت وسطهم دعوة الجهاد التي أطلقها عثمان دانفوديو في شمال نيجيريا.
يمكن النظر لأهمية المهدية من زاويتين؛ أولاهما أنها أدخلت دارفور في السياسة السودانية، وثانيهما أنها بلورت الانفصام بين مفهومين للإسلام قائمين على "العقيدة المهدوية" من ناحية ، والتقاليد السودانوية (Sudanic Tradition ) من الناحية الأخرى- أي بين نظرة شاملة (ولا نقول شمولية) للإسلام تقيم وزناً لدور الإسلام في المجتمع؛ وبين فهم للإسلام متوافق مع المحيط المحلي. ولقد جرت المهدية دارفور نحو السودان - ليس فقط في فترة المهدية - بل لاحقاً أيضاً في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي. على النقيض من ذلك كانت العقيدة السودانوية مسئولة عن بروز دولة جديدة، ألا وهي سلطنة المساليت، والتي كانت القوة الدافعة وراء النجاح في استعادة سلطنة كيرا تحت قيادة السلطان علي دينار.
السلطان علي دينار
بينما كان كتشنر يقترب من أم درمان في أغسطس 1898م، كان علي دينار يخطط للعودة إلى دارفور . وبعد أن تمكن من الهرب من أم درمان - التي بقي فيها لست سنوات -، اتجه جنوباً حتى وصل إلى الترعة الخضراء ( منطقة شمال كوستي)، حيث استولى هو ومناصروه على بعض الجمال التي تخص الخليفة، ثم اتجه غرباً نحو كجمر، التي كان ينتظره فيها عدد من أنصاره من دارفور. لم تكن تلك الخطوة التي أقدم عليها علي دينار اندفاعاً معزولاً، بل كانت خطوة محسوبة ومنسقة مع أنصاره؛ فقد انضمت إليه مجموعات من الأعيان الذين كانوا يمثلون جزءاً هاماً من مؤسسة السلطنة القديمة. بعد أقل من شهرين من وصوله إلى دارفور ، وفي أكتوبر 1898م ، تمكن علي دينار من إحكام سيطرته على الفاشر . واستندت سياسته في السنوات الأولى على مرتكزين ، أولهما فرض سلطته على أوسع نطاق ممكن في دارفور ؛ وثانيهما اتقاء شر ونجت وكتشنر وسلاطين في الخرطوم.
يصف المؤلف حكم السلطان علي دينار - مقارنة مع حكم أجداده السلاطين السابقين- بأنه كان حكماً أوتوقراطياً؛ لكنه يوجد له المبرر في ذلك ، إذ أن حالة الفوضى التي كانت تعيشها دارفور آنذاك يستحيل معها استعادة السلطة المنظمة التي كانت قائمة في السلطنة القديمة ما بين ليلة وضحاها. المقربون من السلطان علي دينار وصفوه بقوة العزيمة وبالصرامة. مثل تلك السمات الشخصية، ممزوجة بضرورات الأمر الواقع، مثلت الخلفيات التي قام عليها منهجه في إدارة دولته - والتي حكمها حكماً مباشراً. ولتعزيز سلطته كسلطان حرص على التواصل مع الماضي. ولقد دفعته تهديدات الدعوات الدينية إلى انتهاج سياسات دينية متناقضة نوعاً ما. فمن ناحية - ولمحاربة الدعوة المهدية التي نفذت إلى أعماق المجتمع- لجأ علي دينار إلى فرض العقيدة الدينية؛ بينما من الناحية الأخرى نسب إلى نفسه خاصية الولي ، وشيئاً من القدسية.
كان من الأولويات الواضحة للسلطان علي دينار إيجاد نظام قضائي فعال يستطيع أن ينظر في القضايا المتراكمة والعالقة من فترة المهدية والفترة التي سبقتها. وخلافاً للتقاليد التي كانت سائدة في السلطنة قبل 1874م، عين السلطان علي دينار قاضي قضاة ( هو القاضي إدريس عبد الله، الذي استمر في منصب قاضي عموم دارفور حتى عام 1916م). كذلك أدخل السلطان علي دينار إصلاحات في النظام الضرائبي، كما كانت له إصلاحات في المجال العسكري أيضاً. كان علي دينار مجدداً؛ غير أنه في سعيه المتواصل لإعادة تأسيس دولته، ظل في جميع الأمور يجمع ما بين القديم والجديد؛ وكان أكثر تأصيلاً في سياساته الدينية .
إحياء الدين
عاش سلاطين دارفور السابقون تحيط بهم طقوس مستمدة من تقاليد الفور بأكثر من كونها مستمدة من الإسلام. غير أن علي دينار كان رافضاً للإسلام السهل الذي اتبعه أجداده ، والقائم على (التخليط)؛ كما كان معارضاً للمهدية. كان النهج الذي يفضله هو ذلك النهج الذي يجمع ما بين إسلام المؤسسة - مثل الإسلام الذي يسانده الأزهر، والذي يخضع المؤسسة الدينية للدولة- وبين الإسلام الصوفي. تكمن أهمية المهدية الرئيسية بالنسبة لعلي دينار في أنها قادته إلى صياغة سياسة دينية داخلياً وخارجياً، وإلى تقديم تفسير لماضي دارفور يصب في مصلحة السلطان العثماني.
تأثرت الإدارة في السنوات الأولى من حكم السلطان علي دينار بأساليب المهدية، حيث ظل الكتبة والسكرتاريون المتوارثون من سلطات المهدية يستخدمون بعض عبارات الترحيب المهدوية ، مثل (الحبيب). ومن الإبداعات الجديدة للسلطان علي دينار دعوى انتسابه للعباس، واعتماد ذلك في الألقاب الرسمية؛ بينما لم يكن السلاطين السابقون يشيرون إلى ذلك النسب إلا بشكل مبهم؛ كما لم يضمنوه أبداً في وثائقهم ، حتى وهم يستخدمون ألقاباً مملوكية أو عثمانية مثل: "خادم الحرمين الشريفين" ، أو "سلطان البرين والبحرين".
تضمن برنامج السلطان علي دينار لإعادة البناء السيطرة المحكمة على (الفقرا) في مملكته، والذين كان يعاملهم كأنهم أعضاء في طريقة صوفية هو شيخها. وكان (الفقرا) في كل منطقة منظمين تحت (مقدوم) مسئول عنهم . ومن السياسات الدينية للسلطان علي دينار إقامته علاقات مع العالم الإسلامي الخارجي ؛ فلقد كانت له صلات وثيقة ومراسلات منتظمة مع العديد من المدارس الصوفية الجديدة - وبشكل خاص السنوسية والختمية والإسماعيلية. كانت الصلات مع السنوسية مهمة لذاتها، وذلك لأنها تفتح القنوات مع العثمانيين؛ وتضمنت رسائله إلى السيد المكي، شيخ الطريقة الإسماعيلية بالأبيض، وصفاً لجهوده الرامية للتمكين للدين في دولته؛ وفي رسائله للسيد علي الميرغني ظل السلطان علي دينار يفصح بحرية عن سخطه عن ما يراه من ازدواجية في الحكم الثنائي. وفي عهد السلطان علي دينار أصبحت الطريقة التيجانية أكثر رواجاً وانتشاراً في دارفور. ولقد ظلت الفاشر تستقبل وتستضيف بكرم وحفاوة أبرز قادة الطريقة التيجانية وأكبرهم مكانة في غرب إفريقيا.
من علامات الاستقامة الدينية للسلطان علي دينار إرساله المحمل إلى مكة لكسوة الكعبة؛ ومواصلته تقديم المساندة لرواق دارفور في الأزهر. ومن الإيماءات الأخرى في هذا الجانب، إرساله نسخة من موجز تاريخ حياته لمكتبة دار الفلاح بمكة؛ ونشره في مطبعة السودان بالخرطوم "ديوان المديح في مدح النبي المليح".
الإعداد لغزو دارفور
في عام 1915م كان حاكم عام السودان رينالد ونجت يضغط على حكومتي مصر وبريطانيا للإذن له بأن "يقضم" دارفور قبل أن يفعل ذلك الفرنسيون الذين كانوا يحومون حول حدود دار مساليت. ينتقد المؤلف المبررات التي ظل يسوقها البريطانيون لغزو دارفور في عام 1917م ( ويذكر أن ما أورده بروفسور ثيوبولد عنها ناتج من تأثره بوجهة النظر البريطانية). ويعزي المؤلف ما ظلت تروج له أجهزة الدعاية الحكومية عن قسوة السلطان علي دينار وقهره للفقراء، إلى رغبة تلك الأجهزة في تكوين صورة انطباعية سلبية تبرر الغزو؛ ولا يوجد سند للقصص الساذجة التي كانت تروج لها أجهزة الدعاية ( مثل الفرية عن مصير الطفل الوليد الذي أسماه والداه على اسم السلطان). يذكر المؤلف أنه يستبعد أن يكون ونجت شخصياً مقتنعاً بمثل ذلك الهراء.
من جانبه، وفي ظل أجواء الدعاية والدعاية المضادة، كان السلطان علي دينار- من منطلق معارضته للحكومة- يخاطب ونجت بـ "سن النار" بدلاً من السردار! وفي إحدى رسائله لونجت عبر علي دينار عن اعتزازه بنفسه، وافتخاره بمكانته كسلطان، وبمجده العريق؛ حيث جاء فيها:
"إنني بفضل الله سلطان وابن سلطان؛ ولقد ورثت المملكة بحق من أجيال.. وأنا - بمشيئة الله العظيم- أجلس الآن على عرش آبائي وأجدادي".
بقية القصة معروفة ؛ فقد غزا البريطانيون دارفور، وذبحت قوات دارفور في موقع المعركة بالقرب من الفاشر .. وتمت محاصرة السلطان علي دينار وقتله في نوفمبر 1916م.
هكذا انتهت سلطنة كيرا.. غير أنها انتهت بشرف.
*****
عرض لكتاب "تاريخ سلطنة دارفور"
لمؤلفه بروفسور ر. س. أوفاهي (6)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
في هذه الحلقة عرض لجانب من أفكار المؤلف ذات الصلة بالحاضر، والتي وردت في الفصل الأخير من الكتاب .
الفكرة الأساسية التي يستند عليها المؤلف في تحليله ، هي تميز دارفور عن بقية أجزاء السودان .. فدارفور كفكرة وكهوية كانت موجودة منذ 1570م – إن لم يكن قبل ذلك . بينما لأغلب مثقفي شمال السودان ، فإن السودان الحديث يتمركز في أراضي سلطنة الفونج (حوالي 1504 – 1821م) ، وهي أراضي وادي النيل جنوب أسوان إلى منطقة الجزيرة بين النيلين الأزرق والأبيض حتى مناطق البجا في شرق السودان، أسوة بشرق كردفان التي لها تداخل حميمي منذ قرون مع وادي النيل.
يتمثل جوهر هوية السودان الحديث في أن النخبة من حكامه الحاليين انحدروا من أيام الفونج ، عبر الحكم التركي المصري (1821 – 1882م)، ثم انتصارات المهدية التي لم تدم طويلاً (1882-1898م ) ، ثم الحكم الثنائي البريطاني المصري البيروقراطي (1898 – 1956م) . وبعكس ذلك كانت صلات دارفور بوادي النيل متقطعة ومتفرقة ، فيما عدا الفترة القصيرة نسبياً الفترة التي هيمنت فيها دارفور على كردفان ( 1785 – 1821م.( في القرن التاسع عشر جعلت علاقات الدين واللغة والاقتصاد دارفور أكثر قرباً من السودان النيلي.
يوجه المؤلف نقداً لفترة الحكم البريطاني لدارفور (1916-1956م) ، التي لم يهتم فيها الحكام البريطانيون بإحداث أي قدر يذكر من التنمية والتحديث في الإقليم؛ حيث انصب اهتمامهم بالحكم والإدارة ( السيطرة على الضرائب – سلطة حكم الإعدام – سلطة تعيين وفصل الزعماء المحليين ) . لذا فقد كان للحكم البريطاني تأثير سلبي غير مباشر بعيد المدى على دارفور . فالهياكل الحديثة التي أسسوها في وسط السودان ، والمتمثلة في المؤسسات السياسية والاقتصادية والتعليمية (المدارس والجامعة والسكة حديد ومشروع الجزيرة، وبروز نخبة من المتعلمين جذورهم في المناطق النيلية) لم ينال دارفور منها شيء؛ بل كانت لها تأثيرات سلبية كبيرة عليها ، إذ تم التجاوب معها بهجرة الدارفوريين ، هرباً من الضرائب ، أو للعمل في مشروع الجزيرة، أو العمل في مدن وسط وشمال السودان .
لم يحدث الاستقلال الرسمي في أول يناير تغييراً سوى أن حلت نخبة من الإداريين السودانيين من شمال السودان محل الإداريين البريطانيين . غير أن المؤلف يشير إلى بعض النواحي التنموية التي شهدتها دارفور بعد الاستقلال، من بينها امتداد خط السكة حديد إلى نيالا في عام 1959م ؛ وتأسيس مشروع جبل مرة كمحاولة لإدخال مشاريع نقدية (التبغ والفواكه) ، ولكن بنجاح محدود.
من مشكلات الحكم الرئيسية التي يبرزها المؤلف أن القرارات الخاصة بدارفور كانت تتخذ من الخرطوم سواء من قبل الحكام البريطانيين أو الإداريين السودانيين الذين خلفوهم. . ويلخص المؤلف حالة عدم الاهتمام المتأصلة بدارفور ، أنه في العهود الديمقراطية تتمثل أهميتها في أصوات الناخبين ؛ أما في العهود غير الديمقراطية فإن أهميتها تكون في إطار السياسة الإقليمية بين تشاد وليبيا والسودان .. ومن قناعات المؤلف أن دارفور كانت بدون شك أكثر ثراء ، وأفضل إدارة تحت حكم سلاطين القرن التاسع عشر مقارنة بحالة الجمود والتهميش من قبل الحكام البريطانيين والإداريين السودانيين.
يشير المؤلف إلى بداية سيادة التذمر الناتج من التهميش وضعف التنمية ، وبروز حركة سياسية (أساساً وسط الفور) قوامها الجنود المتقاعدون ؛ وتأسيس جبهة نهضة دارفور في عام 1966م ، والتي كان قوامها بعض زعماء دارفور ومجموعة صغيرة من طلاب دارفور بالخرطوم . . وفي بداية التسعينات أصبحت المناطق الريفية خارج السيطرة، حيث انهارت أي إدارة فعالة فيما عدا المدن الرئيسية.. وفي هذا الإطار تطورت عملية تسييس الصراع . يمضي المؤلف في تحليل الأسباب الرئيسية وراء الأزمة الحالية في دارفور وهو يحصرها في:
- العامل السكاني
حيث تشير التقديرات إلى ارتفاع عدد سكان دارفور من مليون ونصف في عام 1956م إلى ستة مليون ونصف حالياً.
- العامل الإيكولوجي
التصحر وتعرية التربة وفقدان خصوبة الأرض ، مما قاد إلى تأجج الصراع حول الأرض ( الأبالة ليست لهم ديار معروفة ، ومن لهم ديار لا يرون سبباً لتركها لآخرين).
- الشرعية
فشلت الحكومة في الخرطوم في تأسيس شرعية؛ حيث أنها ورثت من البريطانيين شرعية لم تكن في الأصل موجودة.
يشير المؤلف إلى أنه قد برز في الفترة الأخيرة الإقرار بالحاجة إلى حوار دارفوري دارفوري، على أمل أن يتوصل الدارفوريون من خلاله إلى اتفاق فيما بينهم . غير أنه يرى أن ذلك سوف لن يكون أمراً سهلاً، نظراً لأن القيادات القبلية التقليدية (الإدارة الأهلية) - رغم استعادتها بعد سقوط حكم النميري في 1985م- إلا أنه لم تعد لها نفس السلطة والشرعية التي كانت تتمتع بها قبل 1971م؛ خاصة وقد أصبحت التعيينات تتم من الخرطوم وفقاً لاعتبارات سياسية. يضاف إلى ذلك تعاظم المشكلات الإيكولوجية ؛ والانقسامات العميقة بين القيادات الشابة في "حركات" دارفور ، وافتقادهم للبرامج والسياسات الواضحة.
يذكر المؤلف أنه حتى الآن لم تتم إثارة فكرة استقلال دارفور من أي جهة ؛ غير أنه، إذا ما استمرت الأحوال في التدهور، فربما تبرز إلى المقدمة؛ وسوف يكون النفط الذي بدأ اكتشافه في دارفور عاملاً في هذا الاتجاه. ومن قناعات المؤلف أن دارفور المستقلة ذاتياً في إطار السودان العريض يمكن أن تكون شريكاً قيماً ؛ ولكن فقط في حالة الإبقاء على ذاتيتها وتطويرها.
إن المأساة الإنسانية المرعبة التي تجري الآن في دارفور تتم في ظل بيئة هشة، ومن الصعب جداً وقف تدهورها. غير أن المؤلف يرى أنه ليس محكوماً على دارفور الفشل ؛ إذ أن الدارفوريين - ببعض المساعدة الخارجية - يستطيعون أن يتوصلوا إلى اتفاق فيما بينهم ، خاصة إذا كانت الحكومة مستعدة أن تكون أكثر إيجابية.
**********************
No comments:
Post a Comment