تاريخ دار مساليت 1870 – 1930م (1)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
مقدمة
العنوان الكامل للكتاب الذي أشرع في تقديمه هو (تاريخ دار مساليت 1870 – 1930م: العقيدة المهدوية والتقاليد السودانوية)؛ ولعل في ذلك العنوان إشارة إلى المحور الرئيسي الذي يركز عليه الكتاب. تذكر المؤلفة (بروفيسور/ ليدوين كابتجنز) بأن الدراسات عن تاريخ دارفور عموماً قليلة.. ومن أهم المؤلفات الحديثة (وقت كتابة الكتاب الحالي في 1982م): "تاريخ دارفور السياسي" لمؤلفه موسى المبارك؛ وكتاب بروفسور أوفاهي "الدولة والمجتمع في دارفور". قدم الأستاذ موسى المبارك في كتابه عرضاً تفصيلياً للأحداث السياسية في دارفور في فترة المهدية؛ بينما تناول كتاب "الدولة والمجتمع في دارفور" التاريخ الإداري لسلطنة دارفور في الفترات 1750- 1874م، و1898- 1916م، بتركيز خاص على المؤسسات المركزية للدولة؛ (وجاء بعد ذلك كتاب بروفيسور أوفاهي الهام الآخر بعنوان "تاريخ سلطنة دارفور"، والذي صدر في عام 2008م )وكنت قد قدمت له عرضاً في سلسلة من المقالات(؛ كما نشطت الكتابات عن دارفور وتاريخها بشكل كبير مؤخراً، مع تجدد الصراع الحالي في الإقليم منذ بدايات هذا العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
أما الأدبيات المكتوبة عن غرب دارفور بالذات، فهي تكاد تكون منعدمة؛ وحتى وثائق الأسفار اللصيقة بذلك الجزء من دارفور قليلة جداً. لذا فإن الكتاب الحالي يمثل محاولة لتكملة الدراسات عن تاريخ دارفور من خلال إعادة بناء المجتمع العريض والدولة، وإلقاء الضوء على الهامش أكثر من المركز؛ إذ أنه يركز على منطقة صغيرة على هامش دارفور،ألا وهي دار مساليت، ويبحث في تاريخها المحلي من جانبيه السياسي والاقتصادي الاجتماعي. وتأمل الكاتبة أن يكون مؤلفها قريناً لمؤلف بروفيسور أوفاهي "الدولة والمجتمع في دارفور".
مؤلفة الكتاب هي بروفيسور (ليدوين كابتجنز)، الهولندية الجنسية والتي تعمل حالياً أستاذة تاريخ إفريقيا والشرق الأوسط بكلية ولسلي بالولايات المتحدة. وقد شرعت في كتابة هذا البحث في عام 1978م، عندما كانت محاضرة في شعبة التاريخ بجامعة الخرطوم. واعتمدت في كتابته بشكل رئيس على مصادر أولية؛ حيث تلقت التاريخ الشفاهي لدار مساليت ودار قمر من أفراد في الخرطوم، إلى جانب المقابلات العديدة التي أجرتها في دار مساليت نفسها أثناء عملها الميداني. وقد راجعت المؤلفة بكثافة، وعلى مدى أربع سنوات، وثائق أرشيف المهدية، ووثائق الحكم الثنائي المحفوظة بدار الوثائق المركزية بالخرطوم؛ كما استعانت أيضاً بالوثائق الأرشيفية البريطانية والفرنسية، ومجموعة تاريخ السودان بجامعة بيرقن بالنرويج.
يغطي الكتاب بروز وتطور واحدة من أحدث الممالك السودانوية، ألا وهي سلطنة دار مساليت خلال الفترة 1870 - 1930م. وعلى الرغم من أن الكتاب معني بشكل رئيس بتاريخ سلطنة المساليت، إلا أنه ذو نهج إقليمي، ويولي اهتماماً بالتطورات في السلطنات الأخرى في الحزام السودانوي الشرقي، وهي سلطنات وداي - دارفور - دار سلا - دار تاما - ودار قمر؛ وهي جميعها سلطنات مجاورة لدار مساليت.
تتناول الفصول الثلاثة الأولى من الكتاب نشأة السلطنة؛ حيث يشتمل الفصل الأول على وصف للأوضاع السياسية والجغرافية لدار مساليت. ويتناول الفصل الثاني إعادة بناء مجتمع المساليت أثناء الفترة السابقة لعام 1874م، والتي كانت دار مساليت فيها جزءاً من سلطنة كيرا (دارفور). يصف الفصل الثالث سقوط الـنظام التقليدي السابق لتكوين السلطنة، والتطورات التي نتجت عن الاحتلال المصري التركي لدارفور (1874-1883م)، وتوحيد قبائل المساليت بواسطة هجام حسب الله، والذي هو من زعماء المساليت والمؤسس للسلطنة. يقدم الفصل الرابع تحليلاً لنشوء سلطنة المساليت من منظور إقليمي، ويفسر تعقيدات التاريخ السياسي لغرب دارفور أثناء سنوات المهدية (1883–1898م)، ويحلل الأبعاد السياسية والأيديولوجية والاقتصادية لعلاقات السلطنة الجديدة مع جيرانها. ولقد أتاحت هذه التطورات السياسية للمساليت الفرصة لتأسيس دولتهم.
يتمثل العنصر الأيديولوجي لسلطنة المساليت في العقيدة المهدوية؛ فهي (أي الإسلام تحت مظهر مهدوي) جاءت لتمثل هوية دولة المساليت أمام العالم الخارجي - أي أن الإسلام أصبح هو أيديولوجية الدولة في علاقاتها الخارجية الرسمية. سياسياً واقتصادياً كانت سلطنة المساليت المهدوية مسيطراً عليها من قبل جارتها الغربية - سلطنة وداي. غير أن عاصمة السلطنة في هذه الفترة ظلت محطة ومركزاً طرفياً (وإن كان ثانوياً) في المنتهى الجنوبي لطريق الصحراء العابر إلى شمال إفريقيا.
تتناول المؤلفة في الفصل الخامس البناء الداخلي للسلطنة. فبينما قدمت نفسها لجيرانها كدولة مهدوية مصغرة، إلا أنها داخلياً كانت منظمة كدولة سودانوية على نمط سلطنة كيرا بدارفور، والتي ظلت سلطنة المساليت جزءاً منها حتى عام 1874م. وفي الفصل السادس تبحث المؤلفة من منظور إقليمي الأزمة السياسية التي مرت بها سلطنة المساليت في العقد الأول من القرن العشرين. ففي عام 1909م أخضعت سلطنة وداي تحت الحكم الاستعماري الفرنسي. ومن الجدير بالذكر أن المساليت بقيادة السلطان تاج الدين كانوا قد باغتوا الفرنسيين وهزموهم هزيمة ساحقة في معركة وادي كاجا بالقرب من الجنينة في يناير 1910م؛ وقد ثأرالفرنسيون لهزيمتهم في نوفمبر من نفس العام وقتلوا السلطان تاج الدين. غير أن دار مساليت لم تخضع للإدارة الفرنسية، وذلك حيث أن الفرنسيين كانوا مدركين لأن دار مساليت (ودار قمر) كانتا سابقاً جزءاً لا يتجزأ من سلطنة دارفور، ومن السودان التركي المصري، وأنهما بالتالي يقعان في نطاق حكومة السودان وفقاً للاتفاقيات بين القوى الاستعمارية آنذاك.
هكذا فقد كانت الفترة (1909 – 1922م) في دار مساليت فترة تغيير اقتصادي ثوري - كما كان الحال أيضا في بعض السلطنات المجاورة - لكنها كانت أيضاً فترة تغييرات سياسية دراماتيكية. ولقد ساعد ذلك في ترسيخ بعض السمات الهيكلية لهذه الدولة السودانوية (كمثال هنا الانشقاقات في طبقة النبلاء). ولقد نشطت العقيدة المهدوية لدى رعايا السلطنة، حيث كان المنطلق للثورة الشعبية ضد الارتباطات الفرنسية لسلطان وداي، هو التقاليد المهدوية؛ فلقد اتخذت الثورة طابعاً دينياً. ولقد كان احتلال دار مساليت من قبل قوات الحكم الثنائي (الإنجليزي المصري)، وإدماجها في الإمبراطورية البريطانية بداية لحقبة تاريخية جديدة.
تناقش المؤلفة في الفصل الأخير ثلاث موضوعات رئيسة:
أولاً : كيف وفرت سياسة (الحكم غير المباشر) البريطانية لسلطان المساليت قدراً من السلطة والثروة أكبر مما كان يتمتع به سابقاً ؟
ثانياً : كيف أسهمت سياسة الحكم البريطاني - وبشكل خاص النظام الضرائبي الجديد - في إحداث تغييرات أساسية في الاقتصاد المحلي؟
ثالثاً : كيف قادت تنمية الحكم البريطاني لوسط السودان (وادي النيل) إلى تخلف الهامش السوداني، والذي تمثل دار مساليت جزءاً منه؟
بينما سقطت التقاليد السودانوية على قارعة الطريق في مقاومة مثل هذه التغييرات السلبية، كانت الأيديولوجية المهدوية هي التي تصدت لها.
بالإضافة إلى جانب التاريخ، عني الكتاب بمحاور وموضوعات لا يزال الجدل النظري حولها دائراً بين المتخصصين في الدراسات الأفريقانية، بمختلف تخصصاتهم. من بين هذه الموضوعات على سبيل المثال: علاقات الرق – والتجارة عبر المسافات البعيدة.
(آمل - بعد هذه المقدمة – أن أتمكن في حلقات قادمة من تقديم عرض لبعض موضوعات الكتاب).
*********
تاريخ دار مساليت 1870 – 1930م (2)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
****
مواصلة عرض كتاب: (تاريخ دار مساليت 1870 – 1930م: العقيدة المهدوية والتقاليد السودانوية) لمؤلفته: بروفيسور/ ليدوين كابتجنز
****
تعقيدات التاريخ السياسي لغرب دارفور أثناء سنوات المهدية
تمثلت بداية سلطة دولة المهدية في دارفور في وصول محمد خالد زقل إلى الفاشر وتوليه مهامه كقائد عام لقوات المهدية في دارفور، حيث حل محل رودولف سلاطين، حاكم دارفور من قبل الحكم التركي المصري، والذي كان قد استسلم للمهدي في ديسمبر 1883م.
في رأي الكاتبة أن المهدية بالنسبة للحكام وللشعب في غرب دارفور لم تكن فقط رسالة دينية تتطلب قسم الولاء للمهدي واللحاق به في حرب الترك؛ بل هي أيضاً نظام جديد وحكومة مركزية جديدة بكل ما يعنيه ذلك من تدخل في شئونهم الداخلية، وإلقاء أعباء ومتطلبات مرهقة عليهم . وتشبه الكاتبة الانقسام العميق الذي أحدثه هذا النظام الجديد في دارفور - وفي المجتمع السوداني - بالانقسام الذي أحدثته الثورة الفرنسية في غرب أوروبا.. فالمرء إما أن يكون مع النظام أو ضده، حيث لا مجال لموقف وسط. في ظل هذه الظروف عالية البلورة كان نشوء سلطنة المساليت.
كان السودان تحت دولة المهدية مقسماً إلى مديريات حضرية وأخرى عسكرية؛ حيث مثلت المديريات الحضرية قلب الدولة، وكانت تدار من أم درمان.، وهي مناطق مالية أكثر من كونها وحدات إدارية. من الناحية الأخرى كانت المديريات العسكرية موجودة في مناطق الهامش، وهي توفر الحماية للمركز، وحكامها قادة عسكريون على راس جيوش كبيرة، وهم عادة ما يكونوا من قبيلة التعايشة.
لم يتم إخضاع غرب دارفور بشكل فعال من قبل دولة المهدية. ولعل السبب وراء ذلك أن محمد خالد زقل كان مشغولاً بما فيه الكفاية بمناطق دارفور الأخرى؛ حيث توجه اهتمامه إلى محاربة دودبنقا إبراهيم (سلطان الظل) لسلطنة كيرا بعد مقتل السلطان إبراهيم قرض، والذي خلفه شقيقه يوسف في سبتمبر 1884م، وكان هذان الشقيقان على رأس حركة المقاومة لنظام المهدية. وثانيا كان على زقل أن يكسب ولاء قبائل البقارة في جنوب وجنوب غرب دارفور ومشاركتهم في نصرة الخليفة في أم درمان.
كانت لمحمد خالد زقل تعليمات واضحة بأن لا يحارب سلاطين غرب دارفور أو يعاملهم بقسوة. ولهذا فهو لم يذهب أبعد من استمالتهم لقبول الدعوة المهدوية؛ وظل يتبادل الرسائل والهدايا معهم. فهو إذا ما كان إدارياً وقائداً عسكرياً في مناطق دارفور الأخرى، فهو بالنسبة لعلاقاته بالحدود الغربية، كان فقط سفيراً لدولة المهدية. ومن الجدير بالذكر هنا أن الدبلوماسية لم تكن شيئاً جديداً على سلاطين الغرب.
بعد دخول الخليفة في حرب مع يوسف إبراهيم (ابن إبراهيم قرض، آخر سلاطين الفور)، أمر بإحضار سلاطين غرب دارفور الذين ناصروا يوسف إلى أم درمان (تاما – قمر – محاميد – بديات – قرعان – زغاوة ). وقد اتخذ سلطان وداي موقفاً حاداً ضد دولة المهدية؛ وكذلك سلطان دار سلا إسماعيل عبد النبي - والذي كان معروفاً عنه أنه من أخلص خلصاء المهدية في غرب دارفور؛ غير أن الخليفة شك في إخلاصه، واتهمه بحب الرئاسة والميل إلى الاستقلال.. ولذلك تم عزله وإرساله إلى أم درمان. أما الزغاوة فلم يكونوا متعاونين منذ البداية، ولذلك كانوا أول ضحايا حملة المهدية التأديبية؛ والتي تلتها الحملة ضد السلطان إدريس (سلطان قمر)، والذي اتهم أيضاً بالتآمر مع (سلطان الظل) الجديد أبو الخيرات، فكان أن غزا الأنصار دار تاما ونفوا سلطانها إلى أم درمان. وهكذا تحول غرب دارفور بأكمله ضد الأنصار، مما قاد إلى قيام حركة المقاومة المعروفة بحركة أبو جميزة، والتي استمرت من سبتمبر 1888م إلى فبراير 1889م. (سيتم تناول هذه الحركة في حلقة منفصلة).
من الصعب معرفة السبب المحدد لتدهور العلاقات بين الحاكم في الفاشر وحكام الحدود الغربية؛ حيث لم يكن سلاطين الغرب معترضين على وجود قضاة دولة المهدية بينهم.. كما لم يكونوا معترضين على نظام الضرائب والاستحقاقات الإسلامية (الفطرة والزكاة)، حيث أن هذه حقوق الله؛ لكن اعتراضهم كان منصباً على سوء استغلالها، وعلى أسلوب جبايتها. كذلك كانوا متذمرين من الدمار الذي تخلفه وراءها جيوش المهدية في المناطق التي تمر بها، حيث كانوا يصادرون كل شيء يجدونه في طريقهم. إن هذه الممارسات - وإن كانت تتم ضد رغبة الإدارة المركزية في الفاشر- إلا أنها كانت تمثل لسكان غرب دارفور نظام دولة المهدية كما يشاهدوه أمامهم ويلمسونه. فهذه الجيوش التي تمر في ديارهم وتغزوهم عنوة، وتؤسس معسكرات شبه دائمة وسط ديارهم، هي الواقع الملموس لنظام المهدية، مهما كانت نوايا المؤسسة المركزية في الفاشر.
بالإضافة إلى أسباب التذمر تلك، قاوم سلاطين غرب دارفور سياسة التهجير القسري لأم درمان التي مارسها الخليفة مع زعمائهم، باستدعائهم وإبقائهم بأم درمان لمدة غير محددة. ( كان الخليفة يفعل نفس الشيء مع آخرين من السلطات المحلية، وحتى مع مجموعات عرقية بأكملها من مختلف أنحاء السودان). وقد أكدت التجربة أن هؤلاء المهجرين لا يعودون إلى مواطنهم أبداً.
ربما كان دافع الخليفة من وراء ذلك التهجير دافعاً دينياً، أي أن تكون فترة الهجرة - من بين أشياء أخرى - فترة تتم فيها دورات تدريبية للمهجرين لتجديد تعاليم الدين والعقيدة المهدوية. لكن لعل الهدف السياسي كان هو الأكثر أهمية. فبعد وفاة الإمام المهدي أراد الخليفة أن يجدد له الأنصار البيعة وقسم الولاء. كما كان حريصاً على أن يكون ولاء الحكام المحليين له ولاء مطلقاً وتاماً، وذلك لضمان استقرار المناطق الحدودية لدولته. ناحية أخرى هي أن في تهجير الحاكم المحلي وأهله المقربين وأتباعه من أهل الثقة - وهم الذين يشكلون عادة أساس الجيوش المحلية - إضعاف لأي حركات قد تنشأ للمقاومة. كان الهدف الأسمى للخليفة هو أن يجعل من دولة المهدية دولة لا مكان فيها لأي سلطات محلية قوية وذات قاعدة تقليدية للحكم.
******************
تاريخ دار مساليت 1870 – 1930م (3)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
****
مواصلة عرض كتاب: (تاريخ دار مساليت 1870 – 1930م: العقيدة المهدوية والتقاليد السودانوية) لمؤلفته: بروفيسور/ ليدوين كابتجنز
****
بروز قبيلة المساليت كوحدة سياسية
تذكر المؤلفة أنه أثناء المعارك التي خاضتها قوات الزبير باشا ضد قوات سلطنة (كيرا)، والتي قتل فيها السلطان إبراهيم قرض، تقدمت القوات المصرية التركية من الشرق واحتلت دارفور دون أي مقاومة، وأعلنتها مديرية تابعة لمصر. وبعد سقوطها تفتت السلطنة إلى أجزاء ووحدات قبلية، وإلى دويلات عرقية صغيرة تقودها أحياناً مجموعة عرقية مهيمنة.
على الرغم من أن النظام الجديد قام بتقسيم دارفور إلى أربع مناطق، وتأسيس حاميات في كل منها (الفاشر - دارا - أم شنقة – الكلكل)، إلا أن سقوط السلطنة كان يعني بالنسبة للحكام المحليين، اعتماد كل مجموعة عرقية على مواردها الذاتية؛ ويعني كذلك استعادة تلك المجموعات لاستقلالها وحريتها في التفاوض مع الغزاة الجدد. فعلى سبيل المثال عادت قبيلة بني حسين والقبائل الأخرى في غرب دارفور إلى الاعتماد على النظام القبلي بشكل تلقائي؛ لكن الأمر لم يكن بذلك الوضوح بالنسبة للمساليت، وذلك حيث أنه لم يسبق لهم أن شكلوا وحدة سياسية مستقلة بذاتها. وعندما وحدهم زعيمهم هجام حسب الله بعد سقوط سلطنة كيرا، كان قد فرض عليهم تلك الوحدة بالقوة (كما سنرى).
لم تقض هزيمة السلطان إبراهيم قرض على مقاومة الفور، فلقد ظلت المقاومة المتمركزة في جبل مرة مستمرة طوال فترة نظام الحكم التركي المصري. ونتيجة للصراع، أصبح غرب دارفور في حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار، خاصة لما يقوم به الجنود من الجانبين من تخريب للقرى، وتعويق للتجارة. من الناحية السياسية لم يكن ولاء الحكام المحليين الذين خضعوا للنظام الجديد ولاء كاملاً، فهم كانوا دوماً يتحسبون لاحتمال استعادة السلطنة؛ ولذلك كانوا في حالة دائمة من التفكير وإعادة التفكير في المواقف التي يتخذونها بين مساندة السلطة الحاكمة أوالمقاومة.
هجام حسب الله موحد المساليت
لم يكن توحيد المساليت على أية حال نتيجة منطقية، أو رد فعل طبيعي لسقوط سلطنة كيرا؛ فليس هناك دليل على أن التخلص من حكم الفور كان هو الحلم الذي يراود المساليت؛ كما أن اعتلاء هجام حسب الله للقيادة لم يتم في إطار موجة من الشعور الوطني للمساليت، بل جاء توحيدهم منسجما مع تقاليدهم الممارسة، كما يتضح من الكيفية التي تم بها الصلح.
تمثلت المناسبة التي وحد فيها هجام حسب الله القبيلة في تنظيمه وليمة عظيمة تحت ظل شجرة كبيرة في أحد الوديان، نحرت فيها العديد من الثيران.. ووجهت الدعوة للمشاركة فيها لمختلف أفرع القبيلة المتنازعة. وعند اكتمال حضور ممثلي الأفرع المختلفة، الذين ظن أي منهم في البداية أنه هو الوحيد المدعو للوليمة، كان الخيار الذي طرحه هجام عليهم هو إما أن يطلق عليهم النار في الحال! وإما أن يشاركوا في الصلح ويغفروا ويتناسوا كل الدماء التي سالت من قبل.. وهذا هو ما تم.
ربما تلقي هذه الحادثة بعض الضوء على شخصية هجام حسب الله، والذي عرف بأنه شخص قوي وشجاع (ولا يخاف حتى من الشيطان!). كان هجام في نظر قوات الحكم التركي المصري في دار مساليت، واحدا من (ملوك) القبيلة. لكن بالنسبة للمساليت ألقت عليه مساعدته جباة الضرائب (الترك) تبعات سياسية سالبة. فعندما حضر النور عنقرة إلى ديارهم، قرر فرشات دار مساليت الأربعة المقاومة؛ غير أن الفقيه إسماعيل عبد النبي، شيخ خلوة ديرجيل، كتب خطاباً مسالماً لممثل الحكومة، وعد فيه بتقديم عبيد وأبقار مقابل الأمن والأمان للقبيلة. وبما أن إسماعيل عبد النبي كان فقيهاً وشيخ خلوة، ولا يملك الكثير بالطبع، فقد تعهد هجام حسب الله بتنفيذ ذلك الوعد ؛ وكان المقابل الذي ناله هو اعتراف الحكام به رئيساً للمساليت.
بالرغم من صعود إسماعيل عبد النبي إلى مركز القيادة لاحقاً، فإن ذلك لا يقلل من حقيقة أن هجام حسب الله قد كسب اعتراف المساليت به نتيجة لاضطلاعه بمسئولية تمثيلهم في التعامل مع النظام الجديد. وبالمثل كسب هجام اعتراف الحكام به كممثلهم في التعامل مع المساليت. كذلك كان الحكام الجدد مقدرين لهجام دوره في اجتثاث مقاومة الفور التي كان يقودها (سلطان الظل) هارون؛ وتمثل ذلك التقدير بإنعامهم عليه بلقب (بك)، وبتحويل (نحاس) هارون إليه، وفي ذلك قيمة رمزية عظيمة، إذ أنه يعني الاعتراف به كحاكم أو حتى كسلطان للمساليت.
ما كان لإدارة هجام حسب الله أن تبدأ من الصفر، حيث كان هناك دائماً (ملوك) تقليديون متعودون على طاعة حكامهم. وبينما استمرت علاقات هجام بالنظام التركي المصري جيدة، إلا أن صداماته مع حكام سلطنة كيرا السابقين لم تنقطع. وكانت له مشكلات أيضاً على الحدود الغربية. لكن رغم ذلك فإن عهده يذكر بأنه فترة ساد فيها سلام نسبي.
لم يكن يشار إلى هجام بالسلطان، بل كان لقب (البك) هو السائد عند الحديث عنه. وهو، وإن لم يكن المؤسس لسلطنة المساليت (التي جاء تأسيسها لاحقاً في عام 1884م)، إلا أنه هو الذي مهد لها وبشر بها. وفي الواقع كان هجام حسب الله يتعامل وكأنه سلطان، حيث كان له (نحاس) - كما ذكر سابقا- وذلك رمز من رموز السلطة السلطانية. وثانياً كانت لهجام سلطة الحكم بالإعدام، (والتي مارسها فعلاً)، وهي سلطة كان يتمتع بها سلطان الفور. كذلك وضع هجام نفسه موضع السلطان بمنحه أشخاصاً حق إدارة القرى، وباقتطاعه أرضاً لآخرين على سبيل الهبة. إن هجام يستحق أن يوصف بأنه موحد المساليت؛ فلقد نجح من خلال موقعه القوي، في إجبار القبيلة على المحافظة على الأمن، وعلى الوحدة الجديدة التي تأسست.
من أسباب التمرد على هجام وسقوطه، الضرائب الباهظة المفروضة في عهده (كان من المستحيل عليه إرضاء رعاياه من أهله من ناحية، وإرضاء رؤسائه من الحكام (الترك) من الناحية الأخرى في نفس الوقت). كذلك كانت قسوته وظلمه من العوامل الهامة التي قادت لسقوطه. فقد كان يقوم بإعدام معارضيه - حتى وإن كانوا من أهله المقربين - بتصفيدهم والإلقاء بهم في وادي كاجا أثناء فترة اندفاع السيل بقوة. وأخيراً يمكن القول أن سقوط هجام كان نتيجة طبيعية لسقوط النظام الذي ارتبط به إثر انتصارات المهدية
********
تاريخ دار مساليت 1870 – 1930م (4)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
****
مواصلة عرض كتاب: (تاريخ دار مساليت 1870 – 1930م: العقيدة المهدوية والتقاليد السودانوية) لمؤلفته: بروفيسور/ ليدوين كابتجنز
****
إسماعيل عبد النبي الأب المؤسس لسلطنة المساليت
تذكر المؤلفة أن هناك ارتباطاً ملحوظاً بين سلطنة المساليت ودولة المهدية؛ فكلاهما دولة قائمة على العقيدة، ومؤسسة وفقاً لنظام مركزي. وقد تزامن قيام سلطنة المساليت مع سقوط النظام التركي المصري على يد ثوار المهدية. وكان مؤسس سلطنة المساليت إسماعيل عبد النبي أحد عمال النظام المهدوي الجديد؛ وقد استغرق ابنه وخليفته أبكر في معارك أيديولوجية مع السلاطين المجاورين، مدافعاً عن وضع بلاده الجديد، ووضعه الجديد هو شخصياً كذلك، مستنداً في ذلك على عقيدته المهدوية. ولقد تمكن المساليت من تقوية سلطنتهم من خلال الحراك السياسي والدبلوماسية الذكية، مستفيدين من ظروف الصراع والحروب التي نشأت بين جبهة الغرب ودولة المهدية، وما نتج عن تلك الأوضاع من اهتزاز في توازن القوى.
لقد قام حاكم دارفور من قبل دولة المهدية ، محمد خالد زقل، قبل مغادرته الفاشر في يناير 1886م بتعيين إسماعيل عبد النبي عاملاً للمهدية مسئولاً عن المناطق الغربية لدارفور حتى حدود وداي (تشاد). وكان في ذلك التعيين تأكيد للاعتراف السابق (في 1885م) بإسماعيل كرئيس للمساليت؛ خاصة وأنه كان في غاية الإخلاص للمهدية.
تورد المؤلفة جانباً من سيرة إسماعيل عبد النبي، حيث تذكر (ومصدرها في ذلك حفيده الدكتور علي حسن تاج الدين) أنه ينحدر من عرب خزام الذين أتوا لدار مساليت من تونس عن طريق تشاد. وقد أسس جده محمد ساجا خلوة (درجيل)، والتي توارث أحفاده إدارتها. وقد تلقى والده عبد النبي العلم والفقه على يد الشيخ إسماعيل الولي (1793 – 1863م) بالأبيض، ومن ثم انتسب للطريقة الإسماعيلية. ولقد أصبح إسماعيل فقيها مثل والده؛ وبهذه الصفة سافر كثيراً في غرب دارفور. وعندما ظهر المهدي ذهب إسماعيل وبعض من عشيرته لزيارته في كردفان (قدير والأبيض)؛ وعاد ليبشر برسالة المهدي الدينية الجديدة، ويعلم المساليت الشهادة والجلالة كما طلب منه المهدي. استمر حكم إسماعيل لمدة أربع سنوات حكم فيها دار مساليت والمنطقة التي تسكنها المجموعات العربية في الشمال الشرقي.
غادر إسماعيل دار مساليت في مايو 1888م، حيث تم استدعاؤه من قبل الخليفة إلى أم درمان. وكما تفيد وثائق المهدية، فإن السبب وراء ذلك الإبعاد هو تنامي قوته. لكنه - وبينما ظل على إخلاصه للمهدية - بدأ يشعر بالإحباط وهو يرى التغييرات التي أخذت تحدث منذ وفاة المهدي، والمتمثلة في التطلع للسلطة والمكاسب الدنيوية، بعيداً عن مثاليات المهدي الدينية ونقائه. ومن المؤهلات الرئيسية التي أهلت إسماعيل عبد النبي للزعامة، كونه فقيهاً تحت نظام جديد مؤسسه فقيه هو الآخر، ألا وهو محمد أحمد المهدي، والذي كان إسماعيل عامله. وقد عرف عن إسماعيل اهتمامه بتعاليم الدين والعقيدة المهدوية؛ فهو قد علم المساليت ترديد (الشهادة) و(الجلالة)، كما ذكر سابقاً، وأمر الناس بالانتظام في الحضور للصلاة في المساجد، والالتزام بالصيام في رمضان. كما منع التمباك والمريسة، وطبق توجيهات المهدي بتخفيض المهور. كذلك حارب بعض الممارسات الاجتماعية التقليدية، المتمثلة في الطقوس الدينية ذات الجذور الوثنية، والتي كانت تمارس أمام أحجار معينة، أو في قمم الجبال، أو في الكهوف، والأشجار الكبيرة، طلباً للمطر أو المنافع الأخرى. وقد أغلق إسماعيل الطريق المؤدي إلى مزار (حجر جاركوني)؛ ومن بعده قطع السلطان تاج الدين (شجرة بيدا) لوضع نهاية للطقوس الوثنية التي كانت تؤدى تحتها. وعلى الرغم من أن نفوذ إسماعيل عبد النبي ، قبل أن يصبح سلطاناً، كان قائماً على مكانته كفقيه، إلا أنه بعد عام 1884م، برز كرجل دولة، بتأسيسه سلطنة المساليت ووضعه القواعد القوية لمؤسساتها الرئيسة.
بعد سقوط النظام التركي المصري عاد ألجنود من أبناء المساليت الذين كانوا يعملون في خدمة ذلك النظام إلى ديارهم، حيث أخذوا في تقديم خدماتهم للسلطان إسماعيل، وساندوه بكل ما امتلكوه من سلاح ناري ومن مهارات عسكرية. ورغم أن هؤلاء كانوا جنوداً عاديين عندما كانوا في خدمة النظام التركي المصري، إلا أنهم أصبحوا من الشخصيات المهمة في بلاط السلطان إسماعيل، ومصدر قوة له؛ وهو قد وضع بعضهم في مناصب إدارية هامة. كذلك انضم إلى مساندة السلطان إسماعيل بعض المعارضين للحكم التركي المصري من الذين كانوا قد لجأوا لدار مساليت ، ومنهم قضاة وفقهاء. وهكذا قوى إسماعيل من نفوذه باستيعابه عناصر مؤسسة الحكم التركي المصري وإدارته، مستبعداً بالطبع من يشك في أنهم قد يشكلون خطراً على سلطته. الجهة الثالثة التي قدمت سنداً للسلطان إسماعيل كانت قئة الفقهاء ورجال الدين.
حكم السلطان إسماعيل عبد النبي لمدة أربع سنوات (1884 – 1888م). ورغم أنه هو الذي وضع الأسس للإدارة الداخلية للسلطنة، إلا أن ابنه أبكر كان هو الذي قام في العقد الأول من فترة حكمه بتعزيز مكانة السلطنة داخلياً وخارجياً وتطوير مؤسساتها.
***************
تاريخ دار مساليت 1870 – 1930م (5)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
*****
مواصلة عرض كتاب: (تاريخ دار مساليت 1870 – 1930م: العقيدة المهدوية والتقاليد السودانوية) لمؤلفته: بروفيسور/ ليدوين كابتجنز
****
السلطان أبكر إسماعيل (1888 – 1905م
سلطان بلا منازع
تبدأ المؤلفة تناولها لعهد السلطان أبكر إسماعيل بأنه، مثل السلاطين السودانويين الآخرين، جمع ما بين مجموعتين من الانتماءات الأيديولوجية،وهما الإسلام الذي أعطى حكمه سمته الأساسية من ناحية، والتقاليد السودانوية (Sudanic Traditions) من الناحية الأخرى، خاصة في تحديدها للعلاقة بين الحاكم ورعاياه. فبينما قدمت سلطنة المساليت نفسها لجيرانها على أنها دولة مهدوية مصغرة، إلا أنها كانت منظمة داخلياً كدولة سودانوية على نمط سلطنة كيرا (دارفور). وفي الوقت الذي كان فيه هجام حسب الله ممثلاً للنظام التركي المصري، وإسماعيل عبد النبي عاملاً لدولة المهدية، كان أبكر سلطاناً كاملاً بمكانة مساوية للسلاطين في السلطنات المجاورة (وإن كان في مكانة أقل من السلطان في سلطنة وداي).
ولقد عزز السلطان أبكر من سلطته بانتهاجه الأسس التي أرساها والده إسماعيل؛ وجعل من نفسه سلطاناً بلا منازع، وذلك من خلال أربع وسائل:
- بانتهاجه النمط التقليدي للممالك السودانوية، والتي تمثلها سلطنة كيرا (دارفور).
- بإنشائه لطبقة حاكمة جديدة ، وتأسيسه لشبكة من التقسيمات الإدارية.
- من خلال تأسيسه لجيش محترف من (العبيد)، يضمن له تفوق الدولة من ناحية، ويقلل من اعتماده الكامل على رجال الطبقة الحاكمة من الناحية الأخرى.
- ممارسته السيطرة على التجارة الخارجية لدار مساليت.
وعلى النقيض من والده إسماعيل، يذكر الناس أبكر كسلطان متعجرف وحاد المزاج وقاسي. فبينما كان في بداية عهده إنساناً لصيقاً بالناس بمختلف رتبهم الاجتماعية، وكانوا يحبونه ويستقبلونه دائماً بعبارات الود والترحاب، إلا أنه مع مرور الزمن غير من ذلك النهج؛ وأصبح يلوذ بقصره (الدانقة – وهي مبنى من الطين من طابقين)، يطل منه على عاصمة سلطنته وما حولها. ولقد أتخذ أبكر كامل المظاهر الخارجية للسلطان، بما في ذلك إبقائه على فئة الموظفين الذين يرتبطون تقليدياً بالسلاطين، واستخدامه للنحاس (والذي غنمه من الأنصار)، بدلاً من الجرس (مندكورا) الذي كان مستخدماً في عهد والده إسماعيل. لم يشتمل قصر السلطان أبكر فقط على (الدانقة)، والتي هي على نمط القصور في الحزام السودانوي (Sudanic Belt) الشرقي، بل كانت ملحقة بالقصر أجنحة منفصلة للرجال وللنساء، مثلما كان سائداً في بلاط سلاطين الفور في الفاشر. وكان للسلطان أبكر عدد كبير من الزوجات ومن ملك اليمين (حاز على عدد منهن من الفاشر إثر حملته على الأنصار).
رجال الحكم
وكان السلطان أبكر محاطاً بعدد من المسئولين من حملة الألقاب الرفيعة. ويأتي على رأسهم الوزيز، والذي هو في تقاليد دار مساليت الذي ينصح السلطان في الشئون العسكرية، ويتولى القيادة عند الحرب. وله أيضاً عدد من الأمناء، وهم من موظفي وخدم البلاط الموثوق بهم والمقربين. لم تكن لهؤلاء الأمناء مهام محددة؛ فهم يؤدون خدمات متنوعة في القصر، مثل تكليفهم بتوصيل الرسائل وغير ذلك من المهام. لكن أهمية هؤلاء الأمناء أنهم يمثلون رمزاً من رموز السلطة.
كان السلطان أبكر مدركاً لأن الدولة بحكم وظائفها ومهامها تحتاج إلى وجود طبقة من رجال الحكم، وأن وضع القواعد الأساسية للسلطنة يتطلب تكوين هذه الطبقة. غير أن هذا النظام المركزي الجديد يختلف في أوجه كثيرة عن نظام المساليت التقليدي (الملوكية والفرشة). مع نشوء السلطنة اقتصر استخدام لقب (باسنقا) أولاً على المقربين من أهل إسماعيل (أشقاؤه وأعمامه)؛ وامتد استخدام اللقب ثانياً للمنحدرين من سلالة الحكام التقليديين الآخرين. كما استخدم لقب (باسي) للأفراد الذين أصبحوا على صلة وثيقة بالسلطان دون أن يكونوا من أهله المقربين.
الجهدية
العنصر الثالث في سياسة السلطان أبكر الرامية لتقوية ومركزية سلطنته كان استخدامه (الجهدية)، والذين هم الجنود من (العبيد) ذوي المهارة في استخدام السلاح الناري. ولم يكن السلاح الناري و(العبيد) الذين لديهم الخبرة في استخدامه من الظواهر الجديدة في ذلك الوقت في دار مساليت. حتى الفترة التي استولى فيها المساليت على كميات كبيرة من السلاح الناري ومن (العبيد) أثناء حروبهم في ذلك العقد (تسعينات القرن التاسع عشر)، لم يكن لهم كيان من المحترفين للجندية. كان الجزء الرئيسي من (جهدية) السلطان أبكر من الجنود الذين استبقى عليهم بعد طرد حامية المهدية من دار مساليت. في البداية عمل هؤلاء (الجهدية) كحراس شخصيين للسلطان أبكر.
كأداة من أدوات السياسة الخارجية لم تكن (للجهدية) أهمية كبيرة؛ حيث أنه في حالات الحرب كان المحاربون المشاة من المساليت يفوقونهم عددا، وكان الخيالة من نبلاء المساليت يفوقونهم أهمية. كانت أهميتهم الكبرى تكمن في كونهم أداة من أدوات السياسة الداخلية. فبما أن السلطان يعيش في (درجيل)، ويدير البلاد من العاصمة، فإن المقاديم (مفردها مقدوم) والذين كان يتم اختيارهم من (الجهدية)، كانوا هم الذين يمثلونه كوكلاء له في المناطق الأخرى. غير أن المساليت قد ضاقوا بهم، نظراً للسلطات الكبيرة التي منحها السلطان أبكر لهم. وبشكل خاص ضاق بهم أفراد قبيلة السلطان، الذين أحسوا بأن السلطان لا يريد إشراكهم في السلطة، وأنه بدأ يخالف سياسة والده السلطان إسماعيل الذي كان يخصهم بمواقع مؤثرة في الحكم.
التجارة الخارجية
العنصر الرابع من سياسة السلطان أبكر الرامية إلى تقوية سلطة الدولة، كان بسط سيطرته على التجارة الخارجية، والتي كانت تشكل مجالاً اقتصادياً منفصلاً، وهي كانت بشكل عام تحت سيطرة الدولة في جميع أنحاء الحزام السودانوي الشرقي، كما يؤكد ذلك تطور التجارة في سلطنة المساليت في عقد التسعينات (من القرن التاسع عشر). فالمساليت في عهد سلطنة دارفور لم يكونوا مشاركين في التجارة عبر الطريق الرئيسي بين سلطنتي (وداي) ودارفور، والذي يمر بشمال ديارهم. لكن مع نشوء سلطنة المساليت تغير ذلك الحال؛ ففي عهد السلطان إسماعيل والسلطان أبكر أصبحت العاصمة الجديدة (درجيل) مركزاً للتجارة عبر المسافات البعيدة. وحيث أن الثورة المهدية كانت قد أثرت على انسياب التجارة بين مصر ودارفور، وبين دارفور ووداي (تشاد)، فقد أصبحت (درجيل) هي المحطة الطرفية الجنوبية للتجارة عبر الطريق الصحراوي من بنغازي.
كانت سيطرة السلطان على التجارة الخارجية نابعة من حاجته لمنتجاتها من أجل بلاطه، ومن أجل إشباع حاجات رجال الطبقة الحاكمة؛ ومن مقدرته على تكوين كميات كافية من سلع التصدير المرغوبة؛ ومن استطاعته على توفير الحماية التي يطلبها التجار من الفزان والجلابة . ولم يكن في مقدور أي قافلة الدخول لدار مساليت دون إذنه. كانت معظم السلع الأجنبية تباع في (درجيل) مقابل العاج وريش النعام وقرن وحيد القرن والجلود. وقد أسهمت محدودية سلع التصدير في السيطرة على التجارة.
******
تاريخ دار مساليت 1870 – 1930م (6)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
****
مواصلة عرض كتاب: (تاريخ دار مساليت 1870 – 1930م: العقيدة المهدوية والتقاليد السودانوية) لمؤلفته: بروفيسور/ ليدوين كابتجنز
****
السلطان تاج الدين إسماعيل
قائد المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي
فرنسا وغرب دارفور
في الثاني من يونيو 1909م احتل الفرنسيون أبشي، مما جعل سلطان وداي (تشاد) يفر إلى الشمال لتنظيم المقاومة المستقبلية، ونصب الفرنسيون آدم اصيل سلطاناً مكانه. وكان غزو الفرنسيين لسلطنة وداي تحقيقاً لسياسة سبق أن تم إقرارها في عام 1906م، والتي تخلت فرنسا بموجبها عن السياسة الدفاعية التي كانت تنتهجها نحو (وداي)؛ وتبنت بدلاً عنها سياسة هجومية، تمثلت في ممارسة الضغط بثبات في اتجاه الشرق. وكانت هناك عدة أسباب وراء هذا التغيير في السياسات، من بينها تعزيز سلطة فرنسا في المناطق الغربية لدارفور، خاصة وأن (الوداويين) كانوا كثيراً ما يخرقون استقرار الحدود. سبب آخر هو تخوف الفرنسيين من احتلال عثماني/ سنوسي مشترك لـ (وداي) من الشمال.، أو احتلال اقتصادي لها وتحويل تجارتها للشمال (بواسطة العثمانيين)، أو للشرق (بواسطة البريطانيين).
بعد غزوهم لأبشي، نزع الفرنسيون سلاح السكان، ودعوا رعايا سلطنة (وداي) وفروعها للاستسلام. وفي الخامس من يونيو 1909م كتب آدم أصيل إلى سلاطين المناطق الحدودية معلناً نفسه السلطان الجديد لـ (وداي). كان أول المتجاوبين مع رسائله سلطان دار تاما، وتبعه سلاطين دار سلا ودار قمر. أما السلطان تاج الدين والسلطان علي دينار - وإن كانا قد أرسلا تهنئة - إلا أن رسالتيهما اشتملتا على تحذير واضح لأصيل. بل كانت رسالة تاج الدين إعلانا مبطنا عن استقلال سلطنته. وقد أدرك أصيل تماماً ما عناه كل من علي دينار وتاج الدين. غير أن الفرنسيين لم يكونوا على نفس الدرجة من الإدراك ، حيث أنهم واصلوا اندفاعهم نحو الشرق.
إلى جانب ذلك كانت التعليمات الصادرة للكولونيل الفرنسي فايجنشو - الحاكم الجديد لـ (وداي) - واضحة جداً، ومفادها أن عليه التأكيد على السيادة الفرنسية على الدويلات الواقعة في نطاق (وداي)، وأن يصدر خطابات لكل سلاطين الديار الحدودية ، وأيضاً لكل رؤساء القرى التي تقع في الحدود مع دارفور، يضمن لهم بموجبها الحماية الفرنسية. كان هدف الفرنسيين من وراء ذلك هو تقوية موقفهم التفاوضي في المباحثات الإنجليزية الفرنسية المتعلقة بحدود وداي/ دارفور.
الانتصار في معركة (كريندنج)
قبل سلاطين دار تاما ودار قمر بالحماية الفرنسية، بينما قرر المساليت محاربة الفرنسيين، وأعلنوا موقفهم ذاك صراحة؛ بل أن السلطان تاج الدين قدم تحذيراً واضحاً للكولونيل فايجنشو. في الرابع من يناير التحمت قوات دار مساليت مع القوات الفرنسية في معركة (كريندنج)، والتي عرفت أيضاً بمعركة (وادي كاجا)، بالقرب من مدينة الجنينة، والتي انتهت بنصر باهر لقوات المساليت، وهزيمة ساحقة للقوات الفرنسية، حيث قتل من جانبهم مائتان وثمانون محارباً - خمسة منهم أوربيون، بما فيهم قائدهم الكولونيل فايجنشو.
في هذه الأثناء كان السلطان علي دينار منزعجاً جداً من نشاط الفرنسيين على حدوده الغربية، ونقل ذلك الانزعاج إلى حكومة السودان، التي لم تقدم له أكثر من نصحه بالصبر، وبأن يكون واثقاً من أن الحكومة الفرنسية سوف تحترم اتفاقيتها مع الحكومة البريطانية، والتي تضمن عدم التدخل في الحدود الغربية لدارفور. وعندما غزا الفرنسيون دار مساليت تأكدت صحة شكوك علي دينار فيما يتعلق بنوايا الفرنسيين. وبعد انتصار تاج الدين في معركة (كريندنج) أرسل علي دينار لحكومة السودان مفتخرا بأن رجاله المسئولين عن إدارة دار مساليت قد أبادوا القوات الفرنسية حتى آخر رجل.
المقاومة
في هذا الوقت عاد دود مرة (سلطان وداي السابق)، والذي كان قد فر إلى الشمال ولجأ مع قائده الروحي، ومستشاره السياسي، وشريكه التجاري السنوسي؛ وعاد معه مناصروه من الأخوان السنوسية، وبعض أفراد قبائل الصحراء؛ وشرع في تنظيم المقاومة ضد الفرنسيين. كذلك انضم سلطان دار سلا سراً إلى معسكر المقاومة. لم تكن للفرنسيين القوات الكافية لمجابهة مثل هذه المقاومة متعددة المشارب والتي بدأت في الانتظام. وبينما لم يستقر رأي المسئولين في باريس حول إذا ما كان على قواتهم البقاء أو غير ذلك، بدأت الحامية على عجل في تحصين أبشي وانتظار التعزيزات المرتقبة.
بدا الموقف يزداد خطورة ؛ وأخذ الشك يساور الفرنسيين في ولاء حلفائهم (الوداويين) - بما فيهم السلطان أصيل نفسه - والذي نصبوه هم!. وفي مارس 1910م فر عدد من أعيان (وداي) للالتحاق بدود مرة في كابكا. بعد انتصاره في معركة (كريندنج) كان السلطان تاج الدين قد وجه رسالتين إلى آدم أصيل ينصحه فيهما بالتخلص من بقايا الفرنسيين بأسرع ما يمكن.
وفي الوقت الذي كان فيه الفرنسيون ينتظرون التعزيزات، بدأت المقاومة تفكر في المبادرة بالهجوم. تحالف تاج الدين مع علي دينار؛ وبدأ التنسيق بين القادة العسكريين من دار مساليت ودار فور للتخطيط لهجوم مشترك على أبشي. كذلك جرت محاولات للتنسيق بين قوات دارفور وقوات دود مرة؛ غير أن الأخير رأى أن يتم الهجوم على الفرنسيين من كلا القوتين بشكل منفصل.
معركة داروتي واستشهاد السلطان تاج الدين
حيث أن (درجيل) - عاصمة دار مساليت - أصبحت بعد معركة (كريندنج) هي مركز الثورة ضد الفرنسيين، وملاذ المعارضين لهم، فقد قرر الحاكم الفرنسي الجديد الكولونيل (مول) أن يخوض المعركة ضد المساليت، خاصة وأن التعليمات الصادرة إليه كانت أن يعاقب المساليت في أول فرصة سانحة. وبينما أرسل قوات إلى دار مساليت عن طريق دار تاما ودار جبل، اتخذ هو الطريق المباشر من جهة الشرق، وخاض المعركة في داروتي (بالقرب من الجنينة) في التاسع من نوفمبر 1910م؛ وهي المعركة التي استبسل فيها مقاتلو المساليت وفرسانهم - رغم عدم التكافؤ في السلاح بين الجانبين. قتل في المعركة من جانب القوات الفرنسية (الجنود التشاديين والسنغاليين) 28 جندياً، وجرح 69 آخرون، وفقد 14 جندياً؛ كما قتل 20 من الضباط الفرنسيين بمن فيهم الكولونيل (مول) نفسه. وقد استشهد في المعركة السلطان تاج الدين و 40 من أقاربه، والمئات من أبناء المساليت الآخرين. وتابع الفرنسيون انتصارهم بحملة انتقامية في يناير 1911م، حيث انتشروا في جميع انحاء دار مساليت منفذين سياسة القمع الممنهج في السهول وفي الوديان.. أحرقوا (درجيل)، واستولوا على أكثر من ألفي رأس من الأبقار.
الفضل ما شهدت به الأعداء
غير أن شجاعة المساليت وشراسة قتالهم قد وجدت طريقها إلى سجلات التاريخ العسكري الفرنسي، حيث كتب قائد الحملة الكولونيل (ميلارد) في تقريره:
"كان المساليت أعداء شجعان، ومقاتلين شرسين، يثيرون الرعب في النفوس.. وكانت مقاومتهم حقاً مقاومة وطنية ".
******
تاريخ دار مساليت 1870 – 1930م (7)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
****
مواصلة عرض كتاب: (تاريخ دار مساليت 1870 – 1930م: العقيدة المهدوية والتقاليد السودانوية) لمؤلفته: بروفيسور/ ليدوين كابتجنز
****
مقاومة المساليت للاستعمار البريطاني
كما هو معروف فقد تأسس الحكم الثنائي للسودان في عام 1898م، بينما تم ضم دارفور في عام 1916م، واحتلال دار مساليت في عام 1922م. لهذا فإن التغييرات التي نتجت من انضمام السودان للإمبراطورية البريطانية كان متوقعاً أن تمتد إلى دارفور أيضا في وقت لاحق. غير أن تركيز مؤلفة الكتاب ينصب بشكل خاص على تبعات انضمام دار مساليت (وليس كل دارفور) إلى السودان الإنجليزي المصري.
الاحتلال
باحتلال الفاشر في مايو 1916م، أصبح ترسيم الحدود لمناطق النفوذ بين الفرنسيين والبريطانيين (أي حدود السودان/ تشاد)، أمراً ضرورياً ومطلوباً. ومن الجدير بالذكر أن حكومة السودان حتى عام 1917م كانت في حالة جهل تام بالمناطق الواقعة غرب جبل مرة.
كانت لدي المسئولين في الموقع من الجانبين البريطاني والفرنسي تعليمات بأن لا يقدموا على أي عمل من شأنه أن يؤثر أو يعقد القرار النهائي حول الحدود السودانية التشادية، إلا أن الفرنسيين كانوا في الواقع وكأنهم قد تخلوا عن ادعائهم بتبعية دار مساليت لهم. ويبدو أنهم قد تعبوا من أن يقع عليهم وحدهم عبء الإبقاء على سلطان المساليت في السلطة، والمحافظة على سلام الحدود. لذلك اقترحوا على البريطانيين في أكتوبر 1917م بأن يقوموا (أي البريطانيين) بتأسيس حامية في الحدود الشرقية لدار مساليت، إلى حين اتخاذ القرار النهائي حول تبعية دار مساليت لبريطانيا أو فرنسا. وبالفعل أصدرت وزارة الخارجية البريطانية موافقتها على ذلك الاقتراح في فبراير 1918م، حيث تم على الفور (في شهر مارس) تأسيس فرقة مشاة في (كرينيك)، وتم تعيين قائد لها، وكذلك تعيين ضابط من القلم السياسي ملحقاً بها. وقد بعثت حكومة السودان برسالة للسلطان محمد بحر الدين وضحت له فيها نواياها وأهدافها من وراء تأسيس الحامية، والمتمثلة في:
- حرصهم على السلام في الحدود.
- عدم نيتهم التدخل في إدارته لبلاده.
- أن القصد من الحامية أساساً هو مساندة سلطته في حال نشوب أي مشاكل يثيرها معارضوه.
- ستعمل حكومة فرنسا وحكومة السودان الإنجليزي المصري في ترابط وتنسيق من أجل المحافظة على الأمن والنظام في الحدود.
وقد تم تزويد قائد الحامية بتعليمات منسجمة مع فحوى تلك الرسالة، ومؤكدة على الأهداف من وراء تأسيس الحامية؛ حيث جاء في تلك التعليمات:
- ليس للحامية سلطة على السكان.
- عليها توفير حرس الشرف والأسلحة للسلطان.
- على المسئولين في الحامية القيام بسداد قيمة ما يستهلكونه من حبوب وحليب ولحوم، وما يستخدمونه من عمالة.
- على المسئولين بالحامية الابتعاد تماماً عن الاختلاط بالنساء.
قام السلطان محمد بحر الدين بعمل الترتيبات اللازمة لتوفير الإمدادات للحامية؛ غير أنه لم يخف عداءه للبريطانيين (حتى عندما استقبلوه بحرس شرف، وبرز له ثلاثة من الضباط الإنجليز لتحيته، لم ينزل لهم عن فرسه!). كان المسئولون البريطانيون على معرفة تامة بالعداء الذي يكنه لهم السلطان، وبأنه كان يقوم بسجن كل من يتصل بالحامية دون إذن صريح منه؛ وكانوا يعرفون عن إخفائه أسلحته النارية، وخيل الحرب، ونساءه خارج العاصمة. غير أنهم كانوا، رغم ذلك، ملزمين بإتباع التعليمات الصادرة إليهم بمساندته والوقوف إلى جانبه. وقد تذمر هؤلاء البريطانيون من ازدراء السلطان لهم، ورأوا في قبولهم المستمر لتعاليه عليهم مساساً بكرامتهم. ولذلك دعوا للاحتلال الفوري لدار مساليت!. لكن حكومة السودان رفضت أن تأذن بذلك قبل وضوح نتائج المفاوضات الإنجليزية الفرنسية حول الحدود بشكل رسمي. وعندما تم ذلك في عام 1921م، بدأت الحكومة في الإعداد لاحتلال دار مساليت.
وضعت الحكومة مجموعة من المقترحات، وتمت مناقشتها مع السلطان محمد بحر الدين في الفاشر في يناير 1920م، من بينها:
- أن يقوم السلطان بدفع 500 جنيه في شكل أبقار يتم بيعها في الفاشر.
- أن يوفر المساكن للقوات وموظفي الحكومة في (كرينيك)، وأن يمدهم بالذرة (تضاف قيمته للميزانية)، واللحوم (والتي سيتم سداد قيمتها على الفور).
- سوف لن تكون للسلطان سلطة توقيع عقوبة الإعدام؛ كما سوف تحدد سلطاته القضائية الأخرى.
- سوف يتم تحريم الرق واستيراد الخمور.
- تتم جباية الضرائب بواسطة ممثلين محليين منتخبين.
- على السلطان أن يدرك أن بقاءه في السلطة رهين بولائه للحكومة، وقبول شعبه.
مساندة المساليت لثورة السحيني
تركت ثورة السحيني في جنوب دارفور تأثيراتها على مسار الأحداث في دار مساليت. فعندما هاجم الثوار بقيادة الفقيه عبد الله السحيني مركز الحكومة في نيالا، وقتلوا مفتش المركز البريطاني، كان من بين صفوف الثوار العديد من أبناء المساليت من الذين يسكنون بجنوب دارفور. وفي هذا الأثناء كان مساليت الغرب - والذين كانوا على اتصال بأقاربهم هناك- يعدون لمهاجمة حامية (كرينيك) في حالة نجاح ثورة نيالا. وأشيع أن السلطان نفسه كان مشاركاً سراً ومتعاطفاً مع المخططين؛ وقيل أنه كان قد أمر الفقهاء أن يصلوا من أجل حدث سوف يمنع الاحتلال الإنجليزي المصري لدار مساليت، وأنه أمر رعاياه بالاستعداد. وبالفعل كانت حامية (كرينيك) محاصرة عمليا طوال شهر أكتوبر 1921م، حيث كان هناك ما بين 4000 - 5000 من مقاتلي المساليت معسكرين في الوادي المجاور، وكان الفرسان من النبلاء على ظهور الخيل. غير أن ثورة نيالا قد تم قمعها، وأعدم قائدها الفقيه عبد الله السحيني؛ كما قامت الحكومة بعمل تعزيزات إضافية لحامية (كرينيك). ولهذا لم ينفذ المساليت هجومهم المخطط له على الحامية.
غير أن حكومة السودان كانت مصممة على معاقبة المساليت على ذلك التمرد؛ حيث رأت أولاً أن تجري القوات استعراضاً للقوة؛ وأن يتم احتلال الجنينة فوراً؛ وأن توقع غرامة جماعية عامة على السكان؛ وأن تنفذ عليهم عقوبات قاسية تكون عبرة لمن يعتبر في المستقبل. بالفعل تم احتلال الجنينة في 22 يناير 1922م.
في هذا الأثناء تمت أخيراً تسوية الحدود السودانية التشادية، وشرعت المفوضية المسئولة عن ترسيم الحدود في عملها فوراً. ومن موقعها الجديد في الجنينة بدأت حكومة السودان في التخطيط لإدخال تحول جذري في إدارة دار مساليت، وهو ما عرف بنموذج "الحكم غير المباشر" (والذي نتناوله في حلقة قادمة).
*****
تاريخ دار مساليت 1870 – 1930م (8)
عرض: عبد المنعم خليفة خوجلي
*****
مواصلة عرض كتاب: (تاريخ دار مساليت 1870 – 1930م: العقيدة المهدوية والتقاليد السودانوية) لمؤلفته: بروفيسور/ ليدوين كابتجنز
****
تطبيق نموذج الحكم غير المباشر
كنتيجة للظروف الخاصة التي تأسست بموجبها صلات حكومة السودان بسلطنة المساليت، فقد قامت مبادئ إدارة الحكم الثنائي لدار مساليت منذ البداية على نموذج (الحكم غير المباشر). فأصبح التعامل مع دار مساليت وكأنها إمارة مصغرة؛ بل نظرت إليها حكومة السودان كمختبر لتجربة (الحكم غير المباشر) في السودان.
غير أن الحكم غير المباشر لم يصبح سياسة إدارية عامة إلا في عام 1924م. ولقد كان الموقف الرسمي السائد حيال ذلك النوع من الحكم من المنطلق البراجماتي والإداري بأكثر من المنطلق السياسي أو الأيديولوجي. وتتضح الأسس التي وضعتها الحكومة للحكم غير المباشر من خلال هذه الرسالة التي بعث بها حاكم عام السودان إلى سلطان دار مساليت، والتي تقرأ:
" إلى السلطان محمد بحر الدين بن السلطان أبي بكر
سلطان دار مساليت
تحية طيبة وبعد،
أكتب لكم خطابي هذا لأفيدكم رسمياً بالتغيير الذي حدث في دار مساليت بعد احتلالها من قبل حكومة السودان، وتعيين ممثل لها في بلادكم.
وبصفتي رئيساً للحكومة المذكورة، وبموجب هذا الخطاب، أؤكد لكم رسمياً على موقعكم كسلطان لدار مساليت، تأخذون السلطات مني مباشرة. ولهذا فإني أضع السلطة في أيديكم لاتخاذ جميع الخطوات التي ترغبون فيها من أجل تحقيق راحة ورخاء بلادكم؛ وذلك بموافقة ممثل حكومتنا المقيم معكم، وحاكم مديرية دارفور".
غير أن ما أعطته الحكومة باليمين أخذته باليسار . فباحتلالها لدار مساليت، وتوليها السيادة عليها، فهي قد قلصت سلطات السلطان بشكل كبير؛ حيث فقد السيطرة على القوات المسلحة، وحق التعامل مع القوى الخارجية، أو تسوية الحدود؛ كما فقد سلطته على الأجانب (أي معظم مدينة الجنينة، والتي أصبحت مقاطعة مختلفة عن بقية الدار).
لم تنظر الحكومة لالتزامها بالحكم غير المباشر على أنه يعني النأي بنفسها عن تغيير دار مساليت، بل يعني إحداث ذلك التغيير من خلال (الحكم غير المباشر). ولقد كانت الأهداف الضمنية للحكومة من وراء سياسة (الحكم غير المباشر) هي كسب ولاء المساليت، والمساعدة في إقامة سلطة عادلة ومتقدمة، تتميز الإدارة فيها بالكفاءة وقلة التكلفة.
بدأ المسئول البريطاني المقيم في دار مساليت في الإشراف على تجربة (الحكم غير المباشر) على النمط الذي طبقه البريطانيون في نيجيريا. وعلى الرغم من أن السلطان محمد بحر الدين (أندوكا) كان محبوباً وسط شعبه، إلا أن الإدارة البريطانية كانت تراه ضعيفاً، وينقصه الحزم اللازم للسيطرة على أقاربه من الأمراء، الذين كانت الحكومة ترى أن من أكبر مهامها استبعادهم من إدارة شئون الحكم. كانت الحكومة قد ألغت نظام تخصيص (دار) يحكمها الأفراد المقربون من السلطان؛ كما قررت أن يكون جامعو الضرائب المحليون منتخبين؛ وأبقت فقط على التنظيمات القبلية والإدارية المركزية.
وبالرغم من عدم الاعتراف بالسلطات القضائية التي كان يمارسها (الأبونقا) و (الأمناء)، إلا أن تقارير الإدارة البريطانية في سنوات لاحقة أكدت على أن تلك الأنظمة استمرت في البقاء عملياً؛ حيث اتضح أنه لم يكن من الممكن الاستغناء عنهم تماما فيما يتعلق بجمع الضرائب. وكان قرار استبعاد (الأبونقا) و (الأمناء) يعني بالضرورة اللجوء إلى أنظمة الحكم المحلي التقليدية، والتي قوامها (الملوك) و(الفرشة)، والاعتراف بمكانتهم التقليدية - وإن كان بشكل فيه تحديد أكبر، وبعض التغيير الطفيف في مسئولياتهم وسلطاتهم. فلقد اعترفت الحكومة رسمياً بسلطتهم في تسوية المنازعات الصغرى، وفرض عقوبات على بعض المخالفات الصغيرة والجنح. وعلى الرغم من الإبقاء على هؤلاء المسئولين وإدماجهم في الإدارة المحلية، إلا أن ممثل الحكومة المقيم بدار مساليت كان يرى أن ذلك النظام التقليدي يكتنفه الكثير من الغموض والخلط بين سلطات (الدملج) و(الفرشة) و(الملك)، خاصة وأن الوحدات الإدارية كانت في مرحلة تحول من وحدات قبلية إلى وحدات جغرافية.
بالنسبة للسلطان، فقد تقلصت سلطاته بشكل كبير فيما يتعلق بالإدارة الداخلية، وفي الشئون الخارجية؛ كما تقلصت كذلك سلطاته القضائية. كان السلطان يحس بمرارة إزاء ذلك ، وهو لم ينخدع بالنواحي المظهرية للسلطة التي كانت توفرها له الحكومة، مثل حرس الشرف، أو ما يردده مسئولوها دائماً في خطبهم عن (الحكم غير المباشر). ولقد عبر عن حقيقة ما يحس به عندما قال في عام 1923م "إن الحكومة قد سرقت (داري) كما يسرق الرجل زوجة رجل آخر" !.
كانت الحكومة مدركة لأن وسيلة التغيير المنشود في دار مساليت ينبغي أن تكون أكثر قوة مما هي عليه. فهي إذا ما كانت تعتقد أنها أعطت السلطان سلطات كثيرة، إلا أنه كان واضحا - حتى لأجهل الناس - أن مجرد وجود الحامية الحكومية في الجنينة يعني عملياً انحسارا في مقام وهيبة السلطان. وإلى جانب تقلص مكانته وسلطته، فقد السلطان أيضاً جزءاً كبيراً من دخله؛ وأحد أسباب ذلك انخفاض قيمة (التوكاكي) (وهو نوع من الدمور المنسوج محلياً كان يستعمل كوسيلة للتبادل) نتيجة لبدأ التعامل بالنقد المسكوك، حيث أصبح من غير الممكن عملياً الشراء إلا بالنقد، وبالذات في مقاطعة الجنينة التي كانت سكن متلقي الأجور من الجنود والشرطة، والتجار الذين لحقوا بقطار الحكومة.
******************
Friday, August 20, 2010
تاريخ دار مساليت 1870 - 1910م
Subscribe to:
Post Comments (Atom)
This very unique study
ReplyDelete